احذر أن تكون جسرًا إلى الباطل وأنت تهدمه
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

من القواعد المقررة عند أهل العلم أن المقاصد الشرعية لا تُنال بالوسائل التي تفضي إلى ضدها، وأن الداعية ليس مطالبًا بأن يكون صاحب قضية فحسب، بل صاحب بصيرة في اختيار *الوسيلة التي يبلغ بها الحق*.
*ولذلك فإن البيان في الإسلام* *ليس مجرد نقل للمعلومة، وإنما هو بيان يحقق المصلحة، ويغلق أبواب المفسدة. ولهذا جاءت* *الشريعة بسد الذرائع، حتى منعت أمورًا مباحة إذا كانت تفضي إلى محرم، لأن الإسلام لا ينظر إلى الفعل مجردًا، وإنما ينظر إلى ما يترتب عليه من آثار.*
ومن هنا أحب أن ألفت نظر إخواني الدعاة وطلبة العلم إلى *ظاهرة بدأت تتكرر في وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أن بعضهم إذا أراد الرد على أهل الباطل نشر مقاطع كاملة لممارسات النصارى، أو صورًا لأذكار المتصوفة المبتدعة، أو مشاهد لطقوسهم، أو مقاطع لأهل الضلال، ثم عقب عليها بالنقد والإنكار.*
ولا أشك في حسن قصدهم، بل أحسب أنهم يريدون حماية الناس من الباطل، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل داعية على نفسه هو:
*هل كل ما يُنكر ينبغي أن يُعرض؟وهل يشترط للتحذير من الباطل أن نعيد إنتاجه ونمنحه انتشارًا جديدًا؟إن الواقع يقول: لا. فالخوارزميات لا تفرق بين مقطع نُشر إعجابًا، ومقطع نُشر إنكارًا؛ كلاهما يزيد من انتشاره، وكلاهما يوصله إلى جمهور جديد، وربما أوصل صاحبه إلى آلاف الأشخاص الذين لم يكونوا يعرفونه أصلًا.*
والناس ليسوا سواء؛ فمنهم صاحب علم يزداد يقينًا عندما يرى الباطل، ومنهم ضعيف الإيمان، ومنهم حديث عهد بالاستقامة، ومنهم من يحمل هوىً خفيًا، فإذا وقعت عينه على تلك المشاهد وجد فيها ما يوافق شهوته أو يثير فضوله، فيذهب يبحث عنها مرة أخرى، وهنا يكون من أراد هدم الباطل قد أسهم في نشره دون أن يشعر.
ولهذا جاءت الشريعة بتقرير أصل عظيم، قال تعالى: *﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾*
(الأنعام: 108).
فتأمل هذا الأدب القرآني العظيم؛ لم ينه الله عن سب الأصنام لأنها تستحق الاحترام، بل لأنها ستكون سببًا في مفسدة أكبر، وهي سب الله عز وجل.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
*”فإذا كان في إنكار المنكر ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره.”* (إعلام الموقعين 3/4).
وهذه قاعدة من أعظم قواعد الدعوة.وقال سبحانه:
*﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾* (النور: 19).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
*”أي: يحبون ظهور الفاحشة وإذاعتها وانتشارها في المؤمنين.”* والمقصود أن المسلم ينبغي أن يكون معينًا على إخفاء المنكر وتقليل انتشاره، لا سببًا في تداوله بين الناس، ولو كان قصده حسنًا.
ولذلك كان السلف شديدي التحرز من نشر الشبهات.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: *”ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.”* (رواه مسلم في مقدمة صحيحه).وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
*”حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله؟”* (رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به).
وهذا ليس كتمانًا للحق، وإنما هو فقه في البلاغ، ومراعاة لأحوال المخاطبين.ولذلك كان النبي ﷺ إذا أراد التحذير من فتنة لم يكن يعرضها عرضًا يغري بها، وإنما يصفها بالقدر الذي تتحقق به المصلحة، وكان كثيرًا ما يكتفي بالإشارة دون التفصيل إذا خشي المفسدة.
*ولهذا فإنني أرى أن الأولى بالداعية إذا أراد التحذير من بدعة أو شرك أو ضلالة، أن يصفها ويبين حكمها، ويذكر أدلتها، ويفند شبهاتها، دون أن يعيد نشر مشاهدها وأصواتها وصورها، إلا إذا دعت إلى ذلك حاجة علمية راجحة، وبالقدر الذي يحقق المقصود.*
فكم من إنسان لم يكن يعرف تلك الطقوس أصلًا، فلما شاهدها *في مقطع نُشر بقصد الرد، استهواه صوتها، أو راق له مشهدها، أو أثارت فضوله، فذهب يبحث عنها، فإذا بالتحذير يتحول إلى دعاية مجانية، وبالرد يصبح سببًا في انتشار ما أريد القضاء عليه*.
*إن الباطل لا يحتاج منا أن نكون وكلاء دعاية له، ولو بحسن نية. وليس من الحكمة أن نهدم منكرًا *بأداة قد تبني له جمهورًا جديدًا. فليكن شعار الداعية دائمًا: أبين الباطل، ولا أروج له، وأكشف* *الشبهة، ولا أجعلها مادة يتداولها الناس.*
فهذا – في نظري – أقرب إلى هدي القرآن، وأوفق لمنهج السلف، وأحفظ لقلوب العامة، وأسلم للداعية من أن يكون سببًا في انتشار ما خرج أصلًا لمحاربته. *﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾* [النحل: 125].
كيف تُدار حل الأزمات؟
*بسم الله الرحمن الرحيم* الأزمات جزء من حياة الأفراد والمجتمعات والدول، ولكن الفارق بين ال…





