ظاهرة محكمة الشارع في دول شرق إفريقيا [عدالة الغوغاء]
ما وراء البحار عباس حمدون

٢٠-٧-٢٠٢٦
أوغندا، كينيا، تنزانيا، والكونغو، في هذه البلدان عندما ينفذ السارق جريمته أو يشرع فيها ويتم اكتشافه، يسعى بكل ما أوتي من سرعة إلى أقرب قسم شرطة، هرباً من موتٍ شبه مؤكد على يد الغضب الشعبي. إذا فشل في الهرب ووقع في أيديهم، فعلى الفور، يعقد المواطنون محكمتهم في الشارع، وتُنفذ عقوبة السرقة بطريقة جماعية، حيث يأخذ كل من الحاضرين أو المارين حقه بالضرب، سواء بأداة حادة، أو بالحجارة الضخمة، أو حتى بالركل في مناطق خطرة من جسده.
لا يمكث السارق أكثر من ربع ساعة حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل وصول الشرطة.. وهذا هو المطلوب لديهم. يعتقد بعض أفراد هذه المجتمعات أن السرقة من كبائر الجرائم في دياناتهم، وأن هذه العقوبة تُخلّص السارق من عقاب الرب. بل إن السارق نفسه قد يقبل بهذا المصير، فلا يدافع عن نفسه، بل ينبطح أرضاً رافعاً يديه يطلب الرحمة. وفي الوقت ذاته، يشعر الناس أن عدالة القانون لا تتناسب مع حجم الجريمة، ويفتقدون الثقة الكاملة في تطبيق العقوبات.
في أوغندا، يُعد سائقو الدراجات النارية، وهي وسيلة المواصلات الأبرز في البلاد والمعروفة ب [البودا بودا]، هولاء من أخطر الفئات في المجتمع التي تمارس هذه العدالة الشعبية بلا رحمة. وقد شهدتُ شخصياً حالتين لقتل سارقين أمامي خلال شهر واحد. وعندما حضرت الشرطة الجنائية إلى مسرح الحادث، اكتفت بإجراءات نقل الجثث دون البحث عن أدلة ظاهرية او رفع بصمات من شأنها تكشف من المجني، مما يفهم ضمنياً بعدم فتح دعاوى جنائية ضد منفذي هذه الأفعال. رغم أن قانون العقوبات الأوغندي يجرّم القتل خارج إطار القانون بنصوص واضحة، لكن دائماً العادات والتقاليد في المجتمعات الإفريقية تتحدى نصوص القانون الوضعي وتعجز العدالة من خلالها محاربة الظاهرة بشكل نهائي، حتى منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية نظمت عشرات الندوات للتوعية بخطورة هذه الظاهرة، مؤكدة أنها جريمة تستوجب المحاسبة.
والأغرب أن هذه الظاهرة أصبحت تختلط في أذهان بعض سائقي البودا بودا، بحيث يُعتبر أي شخص يُرى جارياً أو متخفياً وسط العامة، فهو سارق، فيتم اعتراضه والاعتداء عليه. وقد حدث أن مواطناً ذهب إلى أحد البنوك لصرف مستحقاته، فوقع خلاف بينه وبين الموظف، قام الموظف بإبلاغ الشرطة مدعياً بطريقة كاذبة، قائلاً أن العميل حاول اقتحام خزينة النقود. وعندما حضر الشرطي، خاف المواطن وغادر البنك بخطوات سريعة أشبه بالجري. لاحظه سائقي البودا بودا كانوا يتواجدون خارج البنك، فظنوه من سارقي البنوك، وانهالوا عليه ضرباً خلال أقل من دقيقة. وبعد وصول الشرطي، تبيّن أن الأمر كان مجرد سوء فهم، لكن بعد فوات الأوان، إذ توفي الضحية متأثراً بجراحه، بينما فرّ المعتدون.
لذلك، أصبح السارق في هذه البلدان يخاف من الشعب أكثر من خوفه من الشرطة، حتى أنه يشعر بالاطمئنان إذا وجد مركز شرطة قريباً منه، فيتوكل وينفذ جريمته.
أما إذا انعطفنا إلى السودان بحثاً عن وجه شبه لهذه الظاهرة، نجد العكس تماماً، فالسارق هناك يخاف من مراكز الشرطة، لكنه قد يستخدم سلاحاً أبيض في مواجهة أي مواطن يعترض طريقه أثناء الهروب. وفي دول شرق إفريقيا، قد يُولد السارق من الصدفة، اي متى ما وجد المال مهملاً وأغفل صاحبه، فيغتنم الفرصة ويصبح سارقاً على الفور. لكنه غالباً لا يكرر السرقة كثيراً، لأنه قد يُقتل في المحاولة الأولى أو الثانية أو الثالثة، بحسب حظه في الإفلات.
في المقابل، قد يصبح السارق في السودان شخصية معروفة بين الناس لكثرة تكرار جرائمه، ويعتبر السارق زيارته للسجن او الحراسة فترة استراحة سارق، حتى يعاود نشاطه مرة أخرى في ميدان السرقة. وإذا طبقت ظاهرة عدالة الغوغاء في السودان، فينقلب المقصود تماماً، فيصبح القتل ظاهره ادعاء بالسرقة، وباطنه تصفية حسابات سكت عنها القانون.
كيف تُدار حل الأزمات؟
*بسم الله الرحمن الرحيم* الأزمات جزء من حياة الأفراد والمجتمعات والدول، ولكن الفارق بين ال…





