‫الرئيسية‬ مقالات مستجدات الملفات الدفينة.. سد النهضة بين عصا النجاة وشبح الغرق.. قراءة تحليلية في مستقبل الإقليم
مقالات - ‫‫‫‏‫22 دقيقة مضت‬

مستجدات الملفات الدفينة.. سد النهضة بين عصا النجاة وشبح الغرق.. قراءة تحليلية في مستقبل الإقليم

حديث الساعة إلهام سالم منصور

ظل ملف سد النهضة الإثيوبي واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل في القارة الأفريقية، ليس لأنه مشروع هندسي ضخم فحسب، بل لأنه أصبح ملفاً سياسياً واستراتيجياً يرتبط بالأمن القومي لكل من السودان ومصر وإثيوبيا، وأصبح نموذجاً واضحاً لكيفية تداخل المصالح الوطنية مع الحسابات الإقليمية والدولية.

منذ الإعلان عن المشروع انقسمت الآراء بين من يرى فيه مشروعاً تنموياً يحقق لإثيوبيا نهضة اقتصادية طال انتظارها، ومن يعتبره مصدر قلق حقيقي بسبب آثاره المحتملة على حصص المياه وإدارة نهر النيل، خاصة في ظل غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات الملء والتشغيل.

ويقف السودان في قلب هذه المعادلة، فهو الدولة الأكثر تأثراً بحكم موقعه الجغرافي. ففي الوقت الذي يرى فيه بعض الخبراء أن السد قد يحقق فوائد مثل تقليل الفيضانات وتنظيم انسياب المياه وإطالة عمر بعض السدود السودانية، يرى آخرون أن غياب التنسيق الفني قد يشكل مخاطر على منشآت المياه والزراعة وإمدادات الشرب، خصوصاً عند حدوث تغييرات مفاجئة في التشغيل.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول الأحادية لا تحقق الاستقرار، وأن إدارة الأنهار الدولية لا تقوم على فرض الأمر الواقع، وإنما على مبادئ التعاون والشفافية وتبادل المعلومات، بما يحقق مصالح جميع شعوب حوض النيل دون الإضرار بأي طرف.

أما على المستوى السياسي، فقد أصبح سد النهضة ورقة مؤثرة في موازين القوى الإقليمية، حيث تسعى كل دولة إلى حماية مصالحها الوطنية، بينما تتقاطع مصالح قوى دولية وإقليمية مع هذا الملف، الأمر الذي زاد من تعقيد الوصول إلى اتفاق نهائي.

ويبقى السؤال المطروح: هل أصبح سد النهضة عصا نجاة للتنمية، أم أنه قد يتحول إلى مصدر أزمات إذا غابت الثقة والتنسيق؟

الإجابة لا تكمن في السد نفسه، وإنما في كيفية إدارته. فالمشروعات الكبرى قد تكون جسوراً للتعاون إذا أحسن إدارتها، وقد تتحول إلى بؤر توتر إذا غابت الإرادة السياسية والاتفاقات الواضحة.

إن مستقبل المنطقة يتطلب حواراً قائماً على احترام القانون الدولي ومصالح الدول الثلاث، بعيداً عن لغة التصعيد، لأن نهر النيل ظل عبر التاريخ شريان حياة يجمع الشعوب أكثر مما يفرقها.

وفي ظل ما يشهده السودان من تحديات داخلية، تبرز أهمية وجود رؤية وطنية موحدة تجاه القضايا الاستراتيجية، وعلى رأسها ملف المياه، باعتباره جزءاً من الأمن القومي والتنمية المستدامة، بعيداً عن التجاذبات السياسية الآنية.

إن التاريخ يؤكد أن الأنهار لا تصنع الحروب، وإنما تصنع الحضارات، متى ما توفرت الحكمة والإرادة والتعاون.

الثلاثاء٢١يوليو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

كيف تُدار حل الأزمات؟

*بسم الله الرحمن الرحيم* الأزمات جزء من حياة الأفراد والمجتمعات والدول، ولكن الفارق بين ال…