السودان… من يقول الحقيقة؟
أصل_القضية من سلسلة الجسر والموردد. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

هناك أممٌ تختلف حول الحلول…
وهناك أممٌ تختلف حول المصالح…
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة أن تصبح مختلفـة حول الحقيقة نفسها.
فحين لا يعود الخلاف حول ما يجب أن نفعله بل حول ما الذي حدث أصلًا فإن الأزمة لم تعد أزمة سياسة بل أصبحت أزمة وعي.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
في المقالات السابقة سألنا:
● من يصنع الأبطال؟
● ومن يصنع الأعداء؟
واليوم نطرح السؤال الذي يقف خلفهما معًا:
> من يقول الحقيقة؟
لأن من يملك تعريف الحقيقة يملك في الغالب القدرة على تعريف البطل…
وتحديد العدو…
وصناعة الرأي العام…
ورسم الاتجاه الذي تسير فيه الأمة.
أولًا… من الحقيقة الواحدة إلى سوق الروايات
في زمنٍ مضى لم تكن الحقيقة سهلة دائمًا لكن الوصول إليها كان يمر عبر مؤسسات معروفة.
الجامعة ، القضاء ، الصحافة المهنية والمؤسسات الرسمية.
أما اليوم فلم تعد الحقيقة تسكن مكانًا واحدًا بل أصبحت تتنقل بين آلاف المنصات…
وملايين الحسابات…
وعشرات المؤثرين.
لم نعد نعيش عصر نقص المعلومات بل عصر فائض الروايات حتى أصبح الإنسان لا يسأل: أين الحقيقة؟
بل يسأل: أي الروايات أصدق؟
وهنا بدأت الحقيقة تتحول من قيمة مشتركة إلى ساحة تنافس.
ثانيًا… السودان… حين أصبحت كل جماعة تملك حقيقتها
منذ عام ٢٠١٨م ثم بصورة أعمق بعد اندلاع الحرب لم يعد السودانيون يختلفون فقط في تفسير الأحداث بل أصبحوا يختلفون في الحدث نفسه.
الواقعة الواحدة… قد تُروى بخمس روايات.
والصورة الواحدة… قد تُقرأ بعشرات التفسيرات.
والمستند الواحد… قد يصبح دليلًا عند فريق ومؤامرة عند فريق آخر.
وهكذا… لم تعد الأزمة في غياب المعلومات بل في غياب المرجعية التي تمنح الناس القدرة على التمييز.
فأصبح كل مجتمع صغير يبني عالمه الخاص وحقيقته الخاصة ورموزه الخاصة.
ثالثًا… أزمة السودان ليست أزمة معلومات… بل أزمة مرجعية
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية ، فالسودان لا يعاني من قلة الأخبار ولا من نقص التحليلات ولا من غياب الوثائق.
بل يعاني من تآكل المرجعيات التي كانت تمنح المجتمع القدرة على الفصل بين الحقيقة والرواية.
وحين تضعف المرجعيات تزداد الروايات.
وحين تزداد الروايات… يتراجع اليقين.
وحين يتراجع اليقين… يصبح الانفعال بديلًا عن المعرفة.
وهنا تبدأ معركة الوعي الحقيقية.
رابعًا… حين تصبح الثقة أقوى من الدليل
في المجتمعات المستقرة يكتسب الدليل قيمته من قوته.
أما في المجتمعات المنقسمة فإن الدليل يكتسب قيمته من الشخص الذي يقدمه.
ولهذا.. قد يرفض إنسان حقيقة موثقة لأن خصمه هو من نشرها.
وقد يصدق معلومة لا سند لها لأن من قالها ينتمي إلى معسكره.
وهكذا… لا يصبح السؤال: هل هذا صحيح؟
بل:من الذي قاله؟
وحين تصبح الثقة في الأشخاص أقوى من الثقة في الوقائع تتحول الحقيقة إلى هوية لا إلى معرفة.
خامسًا… اقتصاد الحقيقة… حين تصبح الرواية مصدرًا للنفوذ
من منظور الجسر والمورد كما تحدثنا عن اقتصاد الانتباه وعن اقتصاد العداوة فإن المرحلة التالية هي ما يمكن أن نسميه:
> اقتصاد الحقيقة.
واقتصاد الحقيقة هو:
> نمط من إنتاج التأثير تتحول فيه الروايات والمعلومات إلى مورد للنفوذ، بحيث تصبح القدرة على نشر الرواية الأكثر انتشارًا أكثر تأثيرًا من القدرة على إثبات الرواية الأكثر صحة.
ففي هذا الاقتصاد…لا يفوز دائمًا من يمتلك الحقيقة.
بل قد يفوز…من يمتلك المنصة
أو السرعة.
أو الخوارزمية.
أو القدرة على إثارة الانفعال.
وهنا تصبح الحقيقة نفسها جزءًا من سوق المنافسة.
سادسًا… الخوارزميات لا تحدد الحقيقة… لكنها تحدد ما نراه أولًا
الخوارزميات لا تقرر ما هو صحيح لكنها تقرر ..
ما الذي يصل إلينا أولًا.
وما الذي يتكرر أمامنا أكثر.
وما الذي يحصد أكبر قدر من الانتباه.
ولهذا…قد يظن الإنسان أن الأكثر انتشارًا…هو الأكثر صدقًا.
بينما الانتشار… ليس دليلًا على الحقيقة.
بل قد يكون دليلًا على كفاءة الانتشار فقط.
وهنا يتحول تكرار الرواية إلى وسيلة لصناعة اليقين.
سابعًا… الحقيقة ليست أول ضحايا الحرب… بل أول ضحايا الاستقطاب
كثيرًا ما يقال:
> إن الحقيقة أول ضحايا الحرب.
لكن التجربة السودانية تكشف شيئًا أعمق فالحقيقة تبدأ في التآكل قبل الحرب أحيانًا.
حين يتحول المجتمع إلى معسكرات مغلقة.
كل معسكر…
يصدق ما يؤكد قناعاته.
ويرفض ما يخالفها.
حتى لو كان موثقًا.
وهكذا… لا تصبح الحرب هي التي تقتل الحقيقة بل الاستقطاب الذي يسبقها.
ثامنًا… أخطر ما تخسره الدولة
ليست الدولة التي تخسر معركة إعلامية فقط ، بل الدولة التي يفقد مواطنوها القدرة على الاتفاق على الوقائع الأساسية.
لأن أي مشروع لإعادة البناء يحتاج أولًا إلى أرضية مشتركة من الحقائق.
فإذا فقد المجتمع هذه الأرضية…
أصبح الحوار صعبًا.
وأصبح الإصلاح أكثر صعوبة.
وأصبح الاتفاق على المستقبل أقرب إلى المستحيل.
تاسعًا… استعادة الحقيقة بوصفها موردًا سياديًا
من منظور الجسر والمورد فإن الحقيقة ليست قضية إعلامية فقط وليست شأنًا صحفيًا فحسب بل هي مورد استراتيجي من موارد الدولة.
فكما تحمي الدول حدودها ينبغي أن تحمي بيئتها المعرفية.
وكما تستثمر في البنية التحتية ينبغي أن تستثمر في بناء الثقة بالمؤسسات.
لأن المجتمع الذي يفقد الثقة يفقد القدرة على إنتاج حقيقة مشتركة.
وحين تضيع الحقيقة المشتركة يضيع معها الحوار…
ثم يضيع معها القرار.
ولهذا…فإن إعادة بناء السودان لن تبدأ فقط بإعمار المدن.
ولا بإصلاح الاقتصاد.
بل بإعادة بناء المرجعيات التي تمنح الناس القدرة على التمييز بين الخبر والإشاعة…
وبين الوقائع والروايات…
وبين المعرفة والانفعال.
#أصل_القضية…
ليست المشكلة أن تختلف الأمم…
فالاختلاف سنة الحياة.
لكن المشكلة…
أن تختلف حول الحقيقة التي تبني عليها قراراتها.
لأن الأمة التي تفقد قدرتها على الاتفاق على الوقائع…
ستختلف في تفسير الماضي…
وتختلف في إدارة الحاضر…
وتختلف في صناعة المستقبل.
ومن منظور الجسر والمورد…
فإن السيادة لا تبدأ فقط من حماية الحدود…
بل تبدأ أيضًا من حماية الحقيقة.
فحين تفقد الأمة مرجعيتها المشتركة، لا يعود الصراع على الوقائع، بل على من يملك حق تعريفها.
فإذا كانت الحقيقة تُصنع، فمن الذي يصنع الرموز التي تحملها؟ وكيف تتحول الشخصيات إلى رموز؟
منظمة البصر الخيرية العالمية.. عطاء إنساني يعزز جسور العلاقات السودانية الإريترية
في مبادرة إنسانية تعكس عمق الروابط الأخوية والتاريخية بين السودان وإريتريا، وتؤكد الدور ال…





