‫الرئيسية‬ مقالات بين قائد الدولة وقائد الظل
مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

بين قائد الدولة وقائد الظل

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

ططفي لحظةٍ فارقةٍ من تاريخ الشعوب، يبرز سؤالاً حاسماً عن معنى القيادة وعن جوهر رجل الدولة، فالقائد الذي يظهر أمام جنوده ويقاتل ببسالة هو صورةً حيةً للوفاء والتضحية، بينما القائد الذي يتخفى في الظلال هو انعكاساً للفوضى والنهب والهرب من المسؤولية، وبين هذين النموذجين يتحدد مصير الأوطان، فالأول يبني دولةً والثاني يهدمها، الأول يزرع الأمل والثاني يزرع اليأس، الأول يكتب اسمه في ذاكرة الشعب والثاني يكتب اسمه في سجل الخراب.

 

القائد الظاهر أمام جنوده لا يكتفي بإصدار الأوامر من بعيد، بل يضع نفسه في قلب المعركة، يشارك جنوده الخوف والأمل، يواجه معهم الموت ليؤكد أن القيادة ليست امتيازاً بل مسؤولية، وأن رجل الدولة الحقيقي هو من يتلمس حوجة شعبه ويقف معهم في الصفوف الأمامية، هذا القائد حين يظهر فإنه يمنح الجنود الثقة ويزرع فيهم القوة ويجعل الشعب يرى أن الدولة ليست مجرد مؤسسات بل روحاً حيةً تتجسد في قائدٍ يواجه ويضحي، إنه القائد الذي يعرف أن التاريخ لا يرحم المتخاذلين وأن الشعوب لا تنسى من وقف معها في لحظات الشدة.

 

أما القائد المتخفي فهو نقيض الدولة، لأنه يهرب من مواجهة الحقيقة ويترك جنوده يواجهون الموت بينما يظل هو بعيداً عن الميدان، يراقب من الظلال ويبحث عن سلطةً لا عن وطن، وعن غنيمةً لا عن شعب، هذا القائد حين يتوارى فإنه يكشف ضعفه ويُظهر أن مشروعه ليس مشروع دولة وإنما مشروع مليشيا،مشروع خارجي، مشروع فوضى ودمار، إنه القائد الذي ينهب مقدرات الشعب ويترك قواته تعبث بالأرواح وتقتل الأبرياء بلا رحمة، لأنه لا يرى في الشعب إلا وسيلةً للنهب والسيطرة، إنه القائد الذي يظن أن بقاءه في الظل يحميه لكنه في الحقيقة يفضح نفسه أكثر لأن الشعوب لا تنسى من قتلها ونهبها ولا تغفر لمن اختبأ حين كان الوطن يناديه.

 

بين القائد الظاهر والقائد المتخفي يتجلى الفرق بين البناء والهدم، بين الأمل واليأس، بين دولةٍ تُبنى على التضحية ودولةٍ تُنهب على يد المليشيات، فالقائد الظاهر يكتب اسمه في ذاكرة الشعب كرمزٍ للوفاء ويُخلد في صفحات التاريخ كمن جسد معنى الدولة، أما القائد المتخفي فيُمحى اسمه ويُسجل في خانة الخراب كمن خان شعبه وتوارى عن المسؤولية، لذلك فإن البقاء دائماً سيكون لرجل الدولة الذي يواجه لا للقائد الذي يهرب، لأن الشعوب تعرف من يقودها ومن ينهبها، والتاريخ لا يرحم، والذاكرة لا تمحو، والفرق بين قائد الدولة وقائد الظل هو الفرق بين وطنٍ يُبنى ووطنٍ يُنهب، بين قائدٍ يُخلد وقائدٍ يُمحى، بين من يقاتل ببسالة وظاهر أمام جنوده وبين من يتخفى في الظلال ويترك الخراب خلفه.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

نداء : الجميلة ومستحيلة 

في سعينا الدؤوب توثيقًا للخرطوم ما بعد الحرب شرفت اليوم بزيارة جامعة الخرطوم ((الجميلة ومس…