‫الرئيسية‬ مقالات آفاق التكامل الزراعي المصري السوداني في مواجهة الأزمات العالمية
مقالات - ‫‫‫‏‫24 دقيقة مضت‬

آفاق التكامل الزراعي المصري السوداني في مواجهة الأزمات العالمية

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

 

باعتباري محللاً سياسياً سودانياً مقيماً بالقاهرة ومهتماً بدقائق الشأن المشترك بين وادي النيل، فإنني أتناول في هذا المقال التحليلي المستفيض الأبعاد الاستراتيجية والعمق السياسي والاقتصادي للتحركات الإقليمية الراهنة لتعزيز الشراكة الزراعية بين البلدين الشقيقين، مستلهماً روح التحديات العالمية الراهنة التي تفرض على دول المنطقة إعادة صياغة أولوياتها التنموية بعيداً عن الحسابات الضيقة، وبما يحصن الأمن الغذائي العربي ضد أي هزات محتملة.

لا يمكن لأي متابع للشأن السياسي والاقتصادي في المنطقة العربية الإفريقية أن يغفل الحقيقة الجغرافية والتاريخية التي تربط مصر بالسودان؛ فهي علاقة تنبض بروح الوادي الواحد، حيث يمثل نهر النيل شريان حياة لا مجال لفصل مساراته. وفي ظل الأزمات الدولية المتلاحقة، بدءاً من اضطراب سلاسل الإمداد العالمية مروراً بارتفاع الأسعار الفلكي للمواد الغذائية وصولاً إلى التهديدات المستمرة للتغيرات المناخية، تحول الأمن الغذائي من مجرد قطاع تنموي تقليدي إلى ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الاستراتيجي الشامل.

من هذا المنطلق، اكتسب اللقاء رفيع المستوى الذي احتضنته العاصمة المصرية القاهرة مؤخراً، وجمع المسؤولين المعنيين بالزراعة والري والتنمية المستدامة والمنظمات العربية المتخصصة، أهمية استثنائية. لقد جاء هذا اللقاء ليؤكد مجدداً أن القاهرة لا تنظر إلى قطاع الزراعة السوداني باعتباره مجرد ساحة تعاون ثنائي، بل تضعه في صدارة أولويات الشراكة الاستراتيجية الإقليمية، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن أمن السودان الغذائي هو امتداد طبيعي وحتمي للأمن القومي المصري والعربي.

إن قراءة واعية لمسار العلاقات المصرية السودانية تثبت مراراً أن الأزمات الكبرى تشكل دائماً اختباراً حقيقياً لمدى عمق وصلابة الروابط الوجدانحة والمصلحية بين البلدين. وحين تؤكد الدوائر السياسية والتنفيذية في القاهرة أن دعم القطاع الزراعي السوداني يقع في قلب الأجندة الوطنية المصرية، فإن ذلك يعكس فهماً عميقاً لمتطلبات المرحلة الراهنة.

التحديات العالمية اليوم لم تعد تقتصر على معزل جغرافي محدد، بل تضرب بعنف أسواق الغذاء العالمية، مما يجعل الاعتماد المتبادل والتكامل الإقليمي خياراً لا محيد عنه. إن الإمكانات الهائلة التي يمتلكها السودان من أراضي شاسعة خصبة وموارد مائية وطبيعية واعدة، متكاملة مع الخبرات التقنية والبحثية والبنية المؤسسية المتقدمة المتوافرة في مصر، تشكل معاً المكونات الأساسية لمعادلة نجاح كبرى إذا ما أحسن استثمارها وتوظيفها سياسياً ومؤسسياً.

لقد تجاوز التفكير الاستراتيجي المعاصر مفهوم الاعتماد على الأمطار الموسمية أو أساليب الري التقليدية، ليقترب بخطى حثيثة نحو العلم والمعرفة والتكنولوجيا الحديثة. وقد تجسد ذلك بوضوح في محاور اللقاءات الأخيرة التي تركزت على ملفات بالغة الدقة والحيويّة:

البحوث العلمية الزراعية المشتركة: إن دمج الطاقات البحثية لمركز البحوث الزراعية في مصر مع المؤسسات البحثية السودانية يمثل اختراقاً حقيقياً نحو استنباط سلالات نباتية ومحاصيل استراتيجية قادرة على مقاومة الجفاف والتغيرات المناخية المتقلبة، وضمان أعلى معدلات الإنتاجية للفدان.

التحسين الوراثي للثروة الحيوانية: يمتلك السودان ثروة حيوانية ضخمة، غير أن تطويرها ورفع كفاءتها الإنتاجية من اللحوم والألبان يتطلب نقلاً مدروساً للخبرات وتقنيات التحسين الوراثي المتطورة المطبقة في مصر، وهو ما يفتح باباً واسعاً لتلبية الطلب الإقليمي المتنامي وتصدير الفائض للأسواق العربية.

التأهيل وبناء الكوادر الفنية: لا قيمة لأي خطط استراتيجية دون كوادر بشرية مؤهلة قادرة على تطبيق أحدث التقنيات على أرض الواقع. ومن هنا برز الدور الحيوي لبرامج الدعم الفني والتدريب التي تقدمها المؤسسات التدريبية المتخصصة كـ “المركز المصري الدولي للزراعة”، لإعداد جيل جديد من الكوادر السودانية القادرة على نقل الخبرات مباشرة إلى المزارعين والمؤسسات الإنتاجية.

إن الخطط الحكومية والمواقف السياسية، على أهميتها البالغة، تظل بحاجة إلى محرك حقيقي وديناميكي يتمثل في “القطاع الخاص”. لقد أدرك المسؤولون في كلا البلدين أهمية تشجيع المستثمرين ورجال الأعمال على اقتحام قطاع المشروعات الزراعية المشتركة، والتركيز بشكل خاص على مجالات التصنيع الزراعي والغذائي.

إن تصدير المواد الخام الزراعية والحيوانية بصورتها الأولية يعني إهداراً لفرص اقتصادية ضخمة كان يمكن توظيفها لتحقيق قيمة مضافة تضاعف العوائد المالية، وتسهم بجدارة في ردم الفجوة الغذائية العربية وتوفير آلاف فرص العمل للشباب في البلدين. ولضمان عدم تحول هذه الرؤى إلى مجرد أمانٍ نظرية، تم الاتفاق على تكوين فريق عمل مشترك يتولى متابعة التنفيذ، ووضع آليات زمنية وتنفيذية واضحة ومحددة، وهو ما يعكس التزاماً مؤسسياً حقيقياً بالانتقال من مرحلة التوافق النظري إلى مرحلة الإنجاز الميداني.

باعتباري مراقباً ومحللاً سياسياً يعيش في القاهرة ويتابع عن كسب تفاعلات الشأن المصري السوداني، فإنني أؤكد أن التكامل الزراعي بين البلدين ليس ترفاً سياسياً ولا فرصة عابرة، بل هو طوق نجاة استراتيجي في عالم يزداد اضطراباً وقسوة اقتصادية.

إن تضافر عناصر القوة الكامنة في الجانبين – الأرض والماء والخبرة والرأس المال – يضع بين أيدي صانع القرار فرصة تاريخية لا تتكرر كثيراً لإرساء دعائم “سلة غذاء عربية” قادرة على حماية شعوب المنطقة من أطياف المجاعات والأزمات العالمية القادمة. إن الإرادة السياسية حاضرة، والخطوات المؤسسية قد بدأت تتخذ أشكالها التنفيذية؛ وما تحتاجه المرحلة هو المتابعة الصارمة والإرادة الصلبة لتحويل أحلام الوادي وشريان النيل إلى واقع معيش ينعكس رفاهية واستقراراً على الشعبين الشقيقين وعلى الأمة العربية بأجمعها

‫شاهد أيضًا‬

الفريق البلولة في عزاء عبد المحمود بالرياض..!!

* اقامت ادارة الجوازات والسجل المدني بالسفارة السودانية بالمملكة العربية السعودية الرياض ا…