الاقتصاد في مواجهة الأزمة: نجاح حزمة الإصلاحات وهندسة التعافي الوطني
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في خضم المآسي والأزمات العميقة التي تعصف بالأوطان، تحظى المؤشرات الاقتصادية بأهمية مضاعفة؛ إذ لا تُقاس قيمة الأرقام والبيانات بالقيم المالية المجردة، بل بقدرتها على تشكيل جبهة إسناد حقيقية تدعم الاستقرار الوطني وتوفر شريان الحياة للقطاعات الخدمية والإنسانية. وفي هذا السياق، تأتي التقارير الدورية التي تعكس أداء المالية العامة وتطور الإيرادات في النصف الأول من العام الحالي لتقدم نموذجاً عملياً لكيفية إدارة الموارد الشحيحة بكفاءة وتجاوز العقبات الهيكلية عبر الاعتماد على أدوات إصلاحية متكاملة.
إن المحور الأكثر أهمية في هذه الحزمة الإصلاحية يكمن في معادلة دقيقة استطاعت الجمع بين زيادة التحصيل المالي للدولة دون تحميل أعباء ضريبية جديدة على كاهل المواطن الذي يعاني أصلًا من تداعيات الظروف الاستثنائية. تعتمد هذه السياسة على تحسين كفاءة التحصيل وتوسيع المظلة الإلكترونية، من خلال أدوات التحصيل الرقمي والفاتورة الإلكترونية، وتضييق الخناق على منافذ التهرب المالي عبر ضبط وترشيد الإعفاءات الجمركية والضريبية. هذه الخطوات لا تسهم فقط في رفد الخزينة العامة بتمويل ذاتي مستدام، بل تؤسس أيضاً لمعايير أعلى من الحوكمة والشفافية والتصدي للفساد في أجهزة التحصيل المختلفة.
وعلى الجانب الآخر، تبرز مرونة السياسات المالية في حماية الإنتاج الوطني عبر التمسك بقاعدة السياسات الصفرية والجمارك التفضيلية للسلع الإستراتيجية. إن إعفاء السلع الرأسمالية والمواد الغذائية ومدخلات الإنتاج الزراعي، إلى جانب حماية الممتلكات الشخصية، يمثل رؤية حكيمة توازن بين متطلبات الخزينة العامة وحاجة الاقتصاد الحقيقي إلى المحفزات التي تُبقي على تدفق السلع والمنتجات وتمنع الانهيار الكامل لشبكات الإنتاج والتوزيع.
إن ولاية المالية على المال العام لا تكتمل دون إحكام الرقابة الفنية والمحاسبية، وهو ما يتطلب تعزيز الكوادر البشرية من محاسبين ومراجعين، وتفعيل الأنظمة التقنية المتكاملة المرتبطة بالوحدات الحكومية. يمتد هذا الحزم الإداري ليشمل ملف الهيئات والشركات الحكومية من خلال تسريع وتيرة تطوير الأنظمة الإلكترونية وتحديث الأطر التشريعية المنظمة لعملها؛ لتتحول هذه المؤسسات من عبء على الموازنة إلى روافع اقتصادية حقيقية تعمل تحت مبادئ الإفصاح والشفافية.
ولعل التحدي الأكبر للسياسات المالية في أوقات الصراع يكمن في ترتيب أولويات الإنفاق التنموي والخدمي. فالأداء المالي لا يُقاس بالجمع والتحصيل فقط، بل بكيفية توجيه النفقات للوفاء بالالتزامات السيادية العاجلة، وفي مقدمتها دعم المؤسسات النظامية ودعم معركة الاستقرار الوطني، إلى جانب معالجة الآثار المباشرة للنزاعات عبر تأهيل البنى التحتية الحيوية كشبكات الكهرباء والطرق والمطارات، وإعادة تجهيز قطاعات الصحة والتعليم والمياه. هذه الاستثمارات الحيوية هي الكفيلة بتهيئة البيئة المواتية لعودة النازحين واللاجئين لاستئناف حياتهم الطبيعية.
ختاماً، يستلزم التعافي الاقتصادي الشامل الربط الوثيق بين الإصلاح المالي والإنتاج الزراعي والصناعي. وتأتي خطوة تعزيز رؤوس أموال المصارف المتخصصة كالبنك الزراعي وبنك التنمية الصناعية كخطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة تحريك عجلة الإنتاج المحلي. إن استكمال الإصلاحات الهيكلية، وتهيئة بيئة العمل الإدارية والتقنية، والاستمرار في نهج الشفافية، تظل هي الركائز الأساسية لعبور هذه المرحلة الحشِرة، واستعادة التعافي الاقتصادي الشامل بما يخدم تطلعات الاستقرار والتنمية.
أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة 53 صمت الروح..!!
▪️ يتسرب النزوح الخفي على مهل إلى أعماق نفوسنا، ليغرس طعنات لا تشبه أبداً دمار الحوائط وا…





