السودان بين جرح أبريل وأمل الوحدة
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

في قلب السودان، حيث تختلط الأصالة بالعراقة، وحيث ينهض الشعب رغم العواصف، جاءت حرب الخامس عشر من أبريل عام ألفين وثلاثة وعشرين لتفتح شرخاً عميقاً في جسد المجتمع السوداني، شرخاً لم يكن مجرد مواجهة عابرة، بل كان جرحاً مفتوحاً ترك أثره في النفوس والعقول، وأعاد تشكيل صورة العلاقات الإنسانيّة على نحو لم يكن مألوفاً من قبل. هذه الحرب لم تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، فأصبحت البيوت ساحة للخلافات والمؤسسات ميداناً للانقسامات، حتى المناسبات الاجتماعيّة التي كانت تجمع الناس على الفرح أو الحزن، باتت مشوبة بالتوتر والانقسام.
لقد أفرزت هذه الحرب واقعاً جديداً، واقعاً جعل كثيراً من الأسر تنقسم، وكثيراً من الأصدقاء يتباعدون، وكثيراً من الجيران يتخاصمون، وكأن السودان الذي كان يُعرف بالترابط والتكافل أصبح صدى لصوت الانقسام الذي يعلو على صوت الوحدة. ومع ذلك، فإن هذا الواقع المؤلم لا يعني أن الأمل قد مات، بل على العكس، فإن في قلب كل سوداني شعلة صغيرة من الأمل، شعلة تقول إن السودان قادر على تجاوز هذه المرحلة، وإن الشعب السوداني الذي صمد أمام الاستعمار والمجاعات والكوارث الطبيعيّة قادر أيضاً أن يصمد أمام الشرخ الاجتماعي، وأن يعيد بناء جسور الثقة والمحبة بين أبنائه.
إن الطريق إلى إعادة اللحمة الاجتماعيّة في السودان يبدأ من الأخلاق، من تلك القيم التي دعا إليها الدين، والتي رسّختها الثقافة السودانيّة عبر القرون، قيم العفو والتسامح والحلم. فالقوي ليس من أساء وظلم، ولكن القوي من حَلُم، والقوي من عفا عند المقدرة، والقوي من مد يده إلى أخيه رغم الخلاف وقال له: “دعنا نبدأ من جديد”. هذه هي القوة الحقيقيّة التي يحتاجها السودان اليوم، قوة الأخلاق لا قوة السلاح،قوة التسامح لا قوة الانتقام قوة الوحدة لا قوة الانقسام. وإذا استطاع السودانيّون أن يستعيدوا هذه القوة، فإن الشرخ سيلتئم، والجروح ستشفى، والعلاقات ستعود كما كانت، بل ربما أقوى مما كانت، لأن الألم الذي مرّ به الناس سيجعلهم أكثر حرصاً على الحفاظ على روابطهم، وأكثر إدراكاً لقيمة الوحدة.
إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق، إمّا أن يستسلم للشرخ ويتركه يتسع حتى يبتلع كل شيء، وإمّا أن يواجهه بشجاعة، ويعالج أسبابه، ويعيد بناء الثقة بين الناس. وهذا يتطلب جهوداً مشتركة من الجميع، من الدولة التي يجب أن تضع سياسات تعزّز الوحدة الوطنيّة، ومن المؤسسات التي يجب أن تعمل على نشر ثقافة التسامح، ومن الإعلام الذي يجب أن يلعب دوراً في التوعية، ومن الأفراد الذين يجب أن يبدأوا بأنفسهم، فيسامحوا من أساء إليهم، ويعفوا عمّن ظلمهم، ويضعوا مصلحة السودان فوق كل اعتبار. فالسودان ليس مجرد أرض، بل هو وطن، والوطن لا يُبنى إلا بالحب، ولا يحيا إلا بالوحدة، ولا ينهض إلا بالأخلاق.
إن الشرخ الذي أحدثته حرب أبريل ليس قدراً محتوماً، بل هو تحدٍ يمكن تجاوزه إذا امتلك الناس الإرادة، وإذا ارتقوا بأخلاقهم عالياً، وإذا تذكّروا أن السودان أكبر من خلافاتهم، وأعظم من أحقادهم، وأغلى من مصالحهم الشخصيّة. فلتكن هذه المرحلة درساً، ولتكن بداية جديدة، ولتكن نقطة انطلاق نحو سودان أكثر وحدة، وأكثر قوة، وأكثر حلماً. السودان يستحق أن يكون وطناً للسلام، ووطناً للتسامح، ووطناً للعفو، ووطناً للأمل، ولن يكون كذلك إلا إذا قرّر أبناؤه أن يرتقوا بأخلاقهم عالياً، وأن يعفوا عمّن أساء وظلم، وأن يدركوا أن القوي ليس من أساء، ولكن القوي من حَلُم.
meehad74@gmail.com
عدا المؤتمر الوطني”… بين الرفض البرهاني والواقع السوداني…!! قيادي بالمؤتمر الوطني: التنظيمات السياسية الكبرى لا يمكن محوها بقرارات إدارية حامد ممتاز: تصريحات البرهان تنم عن تجاهل متعمد لحجم تضحيات التيار الإسلامي محلل سياسي: استبعاد الوطني سياسياً وفكرياً وشعبياً سيجعل الحوار عبثياً د. ياسر محجوب: حديث البرهان عن «مؤامرة انقلابية» منسوبة إلى الوطني محاولة منه لتبرير الاستبعاد.
تتلاطم أمواج الأزمات العاتية بالساحة السودانية طالما واصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي طرح…





