‫الرئيسية‬ مقالات رجلٌ واحد يصنع الفارق عبد الرحمن السميط: حين يتحول العمل الصالح إلى مشروع حياة
مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

رجلٌ واحد يصنع الفارق عبد الرحمن السميط: حين يتحول العمل الصالح إلى مشروع حياة

السفير / رشاد فراج الطيب

في زمنٍ أصبح فيه النجاح عند كثير من الناس يُقاس بما يملكه الإنسان لنفسه ، من مالٍ ومكانةٍ ونفوذٍ وشهرة ، تبرز في التاريخ المعاصر نماذج نادرة اختارت أن تقيس حياتها بما أعطته للآخرين ، وما تركته وراءها من أثرٍ في حياة الناس .

 

ومن أبرز هذه النماذج الدكتور عبد الرحمن حمود السميط ، الطبيب والداعية والإنسان الكويتي ، الذي اختار أن يجعل من حياته مشروعاً للبر والعمل الصالح ، وأن ينقل مفهوم الدعوة من مجرد الكلام إلى الإنسان ، ومن الوعظ إلى البناء ، ومن الإحسان العابر إلى التنمية المستدامة .

 

ولد السميط في الكويت عام 1947 ، وتخرج طبيباً من جامعة بغداد ، ثم واصل تخصصه في أمراض المناطق الحارة والأمراض الباطنية والجهاز الهضمي في بريطانيا وكندا ، وكان يستطيع أن يعيش حياة الطبيب الناجح في بيئة مريحة ، وأن يكتفي بمهنته ومكانته العلمية ؛ لكنه اختار طريقاً آخر .

 

اختار أفريقيا .

ولم تكن أفريقيا بالنسبة إليه مجرد قارة فقيرة تحتاج إلى صدقات ، وإنما كانت إنساناً يحتاج إلى الكرامة ، ومجتمعاً يحتاج إلى التعليم ، وطفلاً يحتاج إلى مدرسة ، ومريضاً يحتاج إلى طبيب ، وأسرةً تحتاج إلى ماء ، وشاباً يحتاج إلى فرصة ، وإنساناً يحتاج قبل كل شيء إلى من يشعر بآلامه ويقف إلى جانبه .

وهنا تكمن عظمة تجربة السميط .

لقد فهم مبكراً أن الفقر ليس مجرد نقصٍ في الطعام ، وإنما قد يكون نقصاً في المعرفة والصحة والماء والعمل والفرصة .

ولذلك لم يحصر مشروعه في توزيع المساعدات ، بل اتجه إلى بناء الإنسان ومقومات الحياة .

ومن خلال لجنة مسلمي أفريقيا التي أصبحت لاحقاً جمعية العون المباشر ، امتد عمله إلى عشرات الدول الأفريقية ، وتحوّل جهده الفردي إلى عمل مؤسسي واسع النطاق .

 

وتشير المصادر إلى انتشار المشروع في 29 دولة أفريقية ، وإنشاء مئات المدارس ، وأربع جامعات ، وآلاف الآبار ، ومئات المراكز والمرافق الصحية والإسلامية .

 

لكن الأرقام ، على عظمتها ، ليست هي القصة كلها .

القصة الحقيقية هي : كيف استطاع رجل واحد أن يبدأ ؟

فكثير من الناس يرون الحاجة في العالم ، ويشعرون بالألم ، ويتحدثون عن الفقر والجهل والمرض ، ثم ينتهون إلى القول : ماذا يستطيع الفرد أن يفعل أمام كل هذه المشكلات ؟

السميط قدّم الإجابة بالفعل ، لا بالكلام .

لقد أثبت أن الإنسان لا يحتاج في البداية إلى أن يملك كل شيء حتى يبدأ ، وإنما يحتاج إلى أن يمتلك صدقاً في النية ، ووضوحاً في الهدف، وإرادةً للعمل ، وقدرةً على تحويل الفكرة إلى مؤسسة .

وهذه ربما تكون أعظم رسالة في سيرته .

 

إن صناعة الفارق لا تبدأ دائماً من القصور ولا من الوزارات ولا من المؤسسات الكبرى .

أحياناً تبدأ من قلب إنسان رأى ألماً فلم يستطع أن يتجاهله .

بدأ السميط طبيباً ، لكنه لم يكتف بعلاج المرضى ؛ حاول أن يعالج أسباب المرض .

ورأى أن الإنسان الذي لا يجد الماء لا تكفيه الموعظة ، وأن الطفل الذي لا يجد مدرسة لا تكفيه الصدقة ، وأن الأسرة التي لا تملك مصدر دخل تحتاج إلى وسيلة تمكنها من الاعتماد على نفسها .

 

وهكذا أصبح العمل الخيري عنده أقرب إلى مشروع حضاري متكامل .

مدرسة تعني أن طفلاً سيتعلم .

وبئر تعني أن قرية ستعيش .

ومستوصف يعني أن أماً لن تفقد طفلها بسبب مرض يمكن علاجه .

ومركز تدريب يعني أن شاباً يستطيع أن يعمل بدلاً من أن ينتظر الصدقة .

وجامعة تعني أن جيلاً جديداً سيولد قادراً على قيادة مجتمعه .

 

وهذه هي النقلة الكبرى من إغاثة الإنسان إلى تمكين الإنسان .

ومن هنا فإن تجربة السميط ليست مجرد قصة رجل صالح أحسن إلى الفقراء ؛ إنها نموذج في إدارة الخير وتحويل النية الصالحة إلى أثر اجتماعي واسع .

ولعل أكثر ما يلفت في شخصيته أنه لم ينظر إلى الناس من خلال ألوانهم وأعراقهم وأديانهم ، وإنما من خلال إنسانيتهم وحاجتهم .

وقد عُرف عنه في عمله الخيري أنه لم يجعل المساعدة محصورة في المسلمين ، بل تعامل مع الإنسان المحتاج باعتباره إنساناً يستحق الرحمة والإحسان .

وهذا هو المعنى العظيم للعمل الصالح حين يتحرر من الحسابات المحدودة .

 

فالخير الحقيقي لا يسأل أولاً : من هذا الإنسان ؟

وإنما يسأل : ماذا يحتاج ؟

ولا يسأل : ماذا سأحصل عليه ؟

وإنما يسأل : ماذا أستطيع أن أعطي ؟

ولا ينشغل كثيراً بمن سيذكر اسمه بعد ذلك ، لأنه يطلب ما هو أبقى من ذكر الناس : رضا الله وحسن الأثر .

ولذلك فإن أعظم ما نتعلمه من السميط ليس عدد المساجد التي بنيت ، ولا الآبار التي حفرت ، ولا المدارس التي أنشئت ، وإنما ذلك التحول العميق في مفهوم الحياة : أن قيمة الإنسان ليست فيما جمعه لنفسه ، وإنما فيما استطاع أن يتركه للناس.

لقد رحل السميط في عام 2013م ، لكن مشروعه لم يرحل معه .

 

وهنا تظهر قيمة العمل المؤسسي .

فالرجل الذي يكتفي بأن يفعل الخير بنفسه ينتهي أثره غالباً بانتهاء قدرته على العمل ، أما الذي يحوّل الخير إلى مؤسسة وفكرة ونظام وشراكات وأجيال جديدة من العاملين ، فإنه يستطيع أن يستمر بعد رحيله .

وهذه إحدى أعظم دروس السميط : لا تكن أنت المشروع كله ؛ ابنِ مشروعاً يستطيع أن يعيش من بعدك .

 

إن العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى أصحاب الثروات ، وإنما يحتاج إلى أصحاب الرسالة .

ولا يحتاج فقط إلى من يملك المال ، وإنما إلى من يعرف كيف يحوّل المال إلى فرصة ، والفرصة إلى إنسان منتج ، والإنسان المنتج إلى أسرة مستقرة ، والأسرة المستقرة إلى مجتمع أقوى .

 

ومن هنا فإن الحديث عن السميط ينبغي ألا يبقى حديثاً عن الماضي ، بل ينبغي أن يتحول إلى سؤال حاضر :

كم سميطاً يمكن أن يصنعه مجتمعنا اليوم ؟

كم إنساناً يستطيع أن يقول : سأخصص جزءاً من وقتي لخدمة الناس ؟

كم طبيباً يستطيع أن يجعل من علمه رسالة ؟

وكم مهندساً يستطيع أن يبني مدرسة أو بئراً أو مشروعاً ؟

وكم رجل أعمال يستطيع أن ينقل جزءاً من ثروته من الاستهلاك إلى التنمية ؟

وكم أكاديمي يستطيع أن يهب جزءاً من علمه لتعليم الفقراء ؟

وكم شاباً يستطيع أن يبدأ مشروعاً صغيراً ثم يحوله إلى مؤسسة كبيرة ؟

إن المجتمعات لا تنهض فقط بقرارات الحكومات ، مهما كانت أهميتها ، وإنما تنهض أيضاً عندما يتحول الخير الفردي إلى ثقافة اجتماعية ، والعمل التطوعي إلى مؤسسات ، والصدقة إلى تنمية ، والنية الصالحة إلى مشروع مستدام .

 

وهنا تتجلى عظمة الفرد .

الفرد قد يبدو صغيراً أمام حجم المشكلة ، لكنه قد يكون كبيراً أمام حجم الأثر .

فالمشكلة لا تبدأ بحجمها ، والحلول لا تبدأ بحجمها أيضاً . تبدأ بفكرة ، ثم بإرادة ، ثم بخطوة أولى .

والتاريخ مليء برجال ونساء بدأوا وحدهم ، ثم أصبحوا أسباباً في تغيير حياة الملايين .

لم يكن السميط نبياً ولا ملكاً ولا رئيس دولة ، ولم تكن لديه سلطة سياسية أو جيش أو دولة خلفه . كان طبيباً يحمل رسالة ، ورجلاً آمن بأن عمر الإنسان أقصر من أن ينفقه في مطاردة الدنيا ، وأن أعظم استثمار يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يستثمر حياته في حياة الآخرين .

 

ولهذا فإن سيرته تطرح سؤالاً بالغ الأهمية أمام كل واحد منا :

ماذا سيبقى منك عندما ينتهي كل شيء ؟

سيذهب المال .

وتنتهي المناصب .

وتتغير المواقع .

وتنسى كثير من الكلمات .

لكن مدرسة تعلم فيها طفل ، وبئر شرب منه إنسان ، ومريض عولج ، وشاب تعلم حرفة ، وأسرة استطاعت أن تعيش بكرامة ، وعلمٌ انتفع به الناس ، كل ذلك يمكن أن يتحول إلى أثر لا ينقطع .

وهنا يصبح قول الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ أكثر من آية نتلوها ؛ يصبح منهجاً للحياة .

 

لقد كان السميط نموذجاً للإنسان الذي لم يسأل : كم بقي لي من العمر ؟ وإنما سأل : ماذا أستطيع أن أفعل بما بقي لي من العمر ؟

وهذا هو الفرق بين من يعيش لنفسه ومن يعيش لرسالة .

 

إن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان في هذه الدنيا أن يجعل وجوده إضافة إلى وجود الآخرين ، وأن يكون سبباً في أن يصبح العالم من حوله أفضل مما وجده .

ولذلك فإن عبد الرحمن السميط لم يكن مجرد داعية ، ولا مجرد طبيب ، ولا مجرد رجل أعمال خيري ؛ كان رجل مشروع .

مشروعه كان الإنسان .

وساحته كانت أفريقيا .

وسلاحه كان العلم والعمل والرحمة .

وثروته الحقيقية كانت الوقت الذي بذله ، والقلوب التي وصل إليها ، والمؤسسات التي تركها ، والأجيال التي فتح لها أبواب المستقبل .

 

وحين يموت الإنسان وتبقى آثاره تعمل من بعده ، فذلك أحد أصدق معاني قوله تعالى : ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ .

رحم الله عبد الرحمن السميط .

لقد أثبت أن رجلاً واحداً يستطيع أن يصنع الفارق ، وأن العمر القصير يمكن أن يحمل أثراً طويلاً ، وأن الإنسان قد لا يستطيع أن يغيّر العالم كله ، لكنه يستطيع أن يغيّر حياة إنسان واحد ؛ وقد يكون ذلك الإنسان سبباً في تغيير حياة أسرة ، والأسرة سبباً في تغيير مجتمع ، والمجتمع بداية نهضة أمة .

فلا تستصغر عملك الصالح لأنك فرد .

 

قد تكون أنت البداية .

وقد تكون فكرتك هي التي يحتاجها الناس .

وقد تكون يدك التي تمتد اليوم إلى إنسان محتاج هي اليد التي تفتح له غداً باباً جديداً في الحياة .

فالسؤال ليس : ماذا يستطيع فرد واحد أن يفعل ؟

بل السؤال الأجدر هو :

ماذا يمكن أن يحدث إذا صدق فرد واحد مع الله ، وأخلص في عمله ، وأحسن التخطيط ، واستمر حتى النهاية ؟

تلك هي الرسالة التي تركها السميط .

وذلك هو معنى أن يعيش الإنسان بعيداً عن عبادة الدنيا والهوى ، قريباً من عبادة الله وخدمة خلقه .

‫شاهد أيضًا‬

سليمى اسحق:نقص التمويل يهدد العمل الإنساني وعودة متزايدة للخرطوم

كشفت وزيرة الدولة بوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، سليمى إسحق الخليفة، عن تحديا…