رجلٌ واحد يصنع الفارق عبد الرحمن السميط: حين يتحول العمل الصالح إلى مشروع حياة
السفير / رشاد فراج الطيب

في زمنٍ أصبح فيه النجاح عند كثير من الناس يُقاس بما يملكه الإنسان لنفسه ، من مالٍ ومكانةٍ ونفوذٍ وشهرة ، تبرز في التاريخ المعاصر نماذج نادرة اختارت أن تقيس حياتها بما أعطته للآخرين ، وما تركته وراءها من أثرٍ في حياة الناس .
ومن أبرز هذه النماذج الدكتور عبد الرحمن حمود السميط ، الطبيب والداعية والإنسان الكويتي ، الذي اختار أن يجعل من حياته مشروعاً للبر والعمل الصالح ، وأن ينقل مفهوم الدعوة من مجرد الكلام إلى الإنسان ، ومن الوعظ إلى البناء ، ومن الإحسان العابر إلى التنمية المستدامة .
ولد السميط في الكويت عام 1947 ، وتخرج طبيباً من جامعة بغداد ، ثم واصل تخصصه في أمراض المناطق الحارة والأمراض الباطنية والجهاز الهضمي في بريطانيا وكندا ، وكان يستطيع أن يعيش حياة الطبيب الناجح في بيئة مريحة ، وأن يكتفي بمهنته ومكانته العلمية ؛ لكنه اختار طريقاً آخر .
اختار أفريقيا .
ولم تكن أفريقيا بالنسبة إليه مجرد قارة فقيرة تحتاج إلى صدقات ، وإنما كانت إنساناً يحتاج إلى الكرامة ، ومجتمعاً يحتاج إلى التعليم ، وطفلاً يحتاج إلى مدرسة ، ومريضاً يحتاج إلى طبيب ، وأسرةً تحتاج إلى ماء ، وشاباً يحتاج إلى فرصة ، وإنساناً يحتاج قبل كل شيء إلى من يشعر بآلامه ويقف إلى جانبه .
وهنا تكمن عظمة تجربة السميط .
لقد فهم مبكراً أن الفقر ليس مجرد نقصٍ في الطعام ، وإنما قد يكون نقصاً في المعرفة والصحة والماء والعمل والفرصة .
ولذلك لم يحصر مشروعه في توزيع المساعدات ، بل اتجه إلى بناء الإنسان ومقومات الحياة .
ومن خلال لجنة مسلمي أفريقيا التي أصبحت لاحقاً جمعية العون المباشر ، امتد عمله إلى عشرات الدول الأفريقية ، وتحوّل جهده الفردي إلى عمل مؤسسي واسع النطاق .
وتشير المصادر إلى انتشار المشروع في 29 دولة أفريقية ، وإنشاء مئات المدارس ، وأربع جامعات ، وآلاف الآبار ، ومئات المراكز والمرافق الصحية والإسلامية .
لكن الأرقام ، على عظمتها ، ليست هي القصة كلها .
القصة الحقيقية هي : كيف استطاع رجل واحد أن يبدأ ؟
فكثير من الناس يرون الحاجة في العالم ، ويشعرون بالألم ، ويتحدثون عن الفقر والجهل والمرض ، ثم ينتهون إلى القول : ماذا يستطيع الفرد أن يفعل أمام كل هذه المشكلات ؟
السميط قدّم الإجابة بالفعل ، لا بالكلام .
لقد أثبت أن الإنسان لا يحتاج في البداية إلى أن يملك كل شيء حتى يبدأ ، وإنما يحتاج إلى أن يمتلك صدقاً في النية ، ووضوحاً في الهدف، وإرادةً للعمل ، وقدرةً على تحويل الفكرة إلى مؤسسة .
وهذه ربما تكون أعظم رسالة في سيرته .
إن صناعة الفارق لا تبدأ دائماً من القصور ولا من الوزارات ولا من المؤسسات الكبرى .
أحياناً تبدأ من قلب إنسان رأى ألماً فلم يستطع أن يتجاهله .
بدأ السميط طبيباً ، لكنه لم يكتف بعلاج المرضى ؛ حاول أن يعالج أسباب المرض .
ورأى أن الإنسان الذي لا يجد الماء لا تكفيه الموعظة ، وأن الطفل الذي لا يجد مدرسة لا تكفيه الصدقة ، وأن الأسرة التي لا تملك مصدر دخل تحتاج إلى وسيلة تمكنها من الاعتماد على نفسها .
وهكذا أصبح العمل الخيري عنده أقرب إلى مشروع حضاري متكامل .
مدرسة تعني أن طفلاً سيتعلم .
وبئر تعني أن قرية ستعيش .
ومستوصف يعني أن أماً لن تفقد طفلها بسبب مرض يمكن علاجه .
ومركز تدريب يعني أن شاباً يستطيع أن يعمل بدلاً من أن ينتظر الصدقة .
وجامعة تعني أن جيلاً جديداً سيولد قادراً على قيادة مجتمعه .
وهذه هي النقلة الكبرى من إغاثة الإنسان إلى تمكين الإنسان .
ومن هنا فإن تجربة السميط ليست مجرد قصة رجل صالح أحسن إلى الفقراء ؛ إنها نموذج في إدارة الخير وتحويل النية الصالحة إلى أثر اجتماعي واسع .
ولعل أكثر ما يلفت في شخصيته أنه لم ينظر إلى الناس من خلال ألوانهم وأعراقهم وأديانهم ، وإنما من خلال إنسانيتهم وحاجتهم .
وقد عُرف عنه في عمله الخيري أنه لم يجعل المساعدة محصورة في المسلمين ، بل تعامل مع الإنسان المحتاج باعتباره إنساناً يستحق الرحمة والإحسان .
وهذا هو المعنى العظيم للعمل الصالح حين يتحرر من الحسابات المحدودة .
فالخير الحقيقي لا يسأل أولاً : من هذا الإنسان ؟
وإنما يسأل : ماذا يحتاج ؟
ولا يسأل : ماذا سأحصل عليه ؟
وإنما يسأل : ماذا أستطيع أن أعطي ؟
ولا ينشغل كثيراً بمن سيذكر اسمه بعد ذلك ، لأنه يطلب ما هو أبقى من ذكر الناس : رضا الله وحسن الأثر .
ولذلك فإن أعظم ما نتعلمه من السميط ليس عدد المساجد التي بنيت ، ولا الآبار التي حفرت ، ولا المدارس التي أنشئت ، وإنما ذلك التحول العميق في مفهوم الحياة : أن قيمة الإنسان ليست فيما جمعه لنفسه ، وإنما فيما استطاع أن يتركه للناس.
لقد رحل السميط في عام 2013م ، لكن مشروعه لم يرحل معه .
وهنا تظهر قيمة العمل المؤسسي .
فالرجل الذي يكتفي بأن يفعل الخير بنفسه ينتهي أثره غالباً بانتهاء قدرته على العمل ، أما الذي يحوّل الخير إلى مؤسسة وفكرة ونظام وشراكات وأجيال جديدة من العاملين ، فإنه يستطيع أن يستمر بعد رحيله .
وهذه إحدى أعظم دروس السميط : لا تكن أنت المشروع كله ؛ ابنِ مشروعاً يستطيع أن يعيش من بعدك .
إن العالم اليوم لا يحتاج فقط إلى أصحاب الثروات ، وإنما يحتاج إلى أصحاب الرسالة .
ولا يحتاج فقط إلى من يملك المال ، وإنما إلى من يعرف كيف يحوّل المال إلى فرصة ، والفرصة إلى إنسان منتج ، والإنسان المنتج إلى أسرة مستقرة ، والأسرة المستقرة إلى مجتمع أقوى .
ومن هنا فإن الحديث عن السميط ينبغي ألا يبقى حديثاً عن الماضي ، بل ينبغي أن يتحول إلى سؤال حاضر :
كم سميطاً يمكن أن يصنعه مجتمعنا اليوم ؟
كم إنساناً يستطيع أن يقول : سأخصص جزءاً من وقتي لخدمة الناس ؟
كم طبيباً يستطيع أن يجعل من علمه رسالة ؟
وكم مهندساً يستطيع أن يبني مدرسة أو بئراً أو مشروعاً ؟
وكم رجل أعمال يستطيع أن ينقل جزءاً من ثروته من الاستهلاك إلى التنمية ؟
وكم أكاديمي يستطيع أن يهب جزءاً من علمه لتعليم الفقراء ؟
وكم شاباً يستطيع أن يبدأ مشروعاً صغيراً ثم يحوله إلى مؤسسة كبيرة ؟
إن المجتمعات لا تنهض فقط بقرارات الحكومات ، مهما كانت أهميتها ، وإنما تنهض أيضاً عندما يتحول الخير الفردي إلى ثقافة اجتماعية ، والعمل التطوعي إلى مؤسسات ، والصدقة إلى تنمية ، والنية الصالحة إلى مشروع مستدام .
وهنا تتجلى عظمة الفرد .
الفرد قد يبدو صغيراً أمام حجم المشكلة ، لكنه قد يكون كبيراً أمام حجم الأثر .
فالمشكلة لا تبدأ بحجمها ، والحلول لا تبدأ بحجمها أيضاً . تبدأ بفكرة ، ثم بإرادة ، ثم بخطوة أولى .
والتاريخ مليء برجال ونساء بدأوا وحدهم ، ثم أصبحوا أسباباً في تغيير حياة الملايين .
لم يكن السميط نبياً ولا ملكاً ولا رئيس دولة ، ولم تكن لديه سلطة سياسية أو جيش أو دولة خلفه . كان طبيباً يحمل رسالة ، ورجلاً آمن بأن عمر الإنسان أقصر من أن ينفقه في مطاردة الدنيا ، وأن أعظم استثمار يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يستثمر حياته في حياة الآخرين .
ولهذا فإن سيرته تطرح سؤالاً بالغ الأهمية أمام كل واحد منا :
ماذا سيبقى منك عندما ينتهي كل شيء ؟
سيذهب المال .
وتنتهي المناصب .
وتتغير المواقع .
وتنسى كثير من الكلمات .
لكن مدرسة تعلم فيها طفل ، وبئر شرب منه إنسان ، ومريض عولج ، وشاب تعلم حرفة ، وأسرة استطاعت أن تعيش بكرامة ، وعلمٌ انتفع به الناس ، كل ذلك يمكن أن يتحول إلى أثر لا ينقطع .
وهنا يصبح قول الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ أكثر من آية نتلوها ؛ يصبح منهجاً للحياة .
لقد كان السميط نموذجاً للإنسان الذي لم يسأل : كم بقي لي من العمر ؟ وإنما سأل : ماذا أستطيع أن أفعل بما بقي لي من العمر ؟
وهذا هو الفرق بين من يعيش لنفسه ومن يعيش لرسالة .
إن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان في هذه الدنيا أن يجعل وجوده إضافة إلى وجود الآخرين ، وأن يكون سبباً في أن يصبح العالم من حوله أفضل مما وجده .
ولذلك فإن عبد الرحمن السميط لم يكن مجرد داعية ، ولا مجرد طبيب ، ولا مجرد رجل أعمال خيري ؛ كان رجل مشروع .
مشروعه كان الإنسان .
وساحته كانت أفريقيا .
وسلاحه كان العلم والعمل والرحمة .
وثروته الحقيقية كانت الوقت الذي بذله ، والقلوب التي وصل إليها ، والمؤسسات التي تركها ، والأجيال التي فتح لها أبواب المستقبل .
وحين يموت الإنسان وتبقى آثاره تعمل من بعده ، فذلك أحد أصدق معاني قوله تعالى : ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ .
رحم الله عبد الرحمن السميط .
لقد أثبت أن رجلاً واحداً يستطيع أن يصنع الفارق ، وأن العمر القصير يمكن أن يحمل أثراً طويلاً ، وأن الإنسان قد لا يستطيع أن يغيّر العالم كله ، لكنه يستطيع أن يغيّر حياة إنسان واحد ؛ وقد يكون ذلك الإنسان سبباً في تغيير حياة أسرة ، والأسرة سبباً في تغيير مجتمع ، والمجتمع بداية نهضة أمة .
فلا تستصغر عملك الصالح لأنك فرد .
قد تكون أنت البداية .
وقد تكون فكرتك هي التي يحتاجها الناس .
وقد تكون يدك التي تمتد اليوم إلى إنسان محتاج هي اليد التي تفتح له غداً باباً جديداً في الحياة .
فالسؤال ليس : ماذا يستطيع فرد واحد أن يفعل ؟
بل السؤال الأجدر هو :
ماذا يمكن أن يحدث إذا صدق فرد واحد مع الله ، وأخلص في عمله ، وأحسن التخطيط ، واستمر حتى النهاية ؟
تلك هي الرسالة التي تركها السميط .
وذلك هو معنى أن يعيش الإنسان بعيداً عن عبادة الدنيا والهوى ، قريباً من عبادة الله وخدمة خلقه .
سليمى اسحق:نقص التمويل يهدد العمل الإنساني وعودة متزايدة للخرطوم
كشفت وزيرة الدولة بوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، سليمى إسحق الخليفة، عن تحديا…





