البروفيسور محمد عبد الغفار عثمان عندما يجتمع رسوخ العالم وصلابة المفكر
خواطر ابن فضل د. محمد فضل محمد

عرفتُ البروفيسور محمد عبد الغفار عثمان في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عرفتُ البروفيسور محمد عبد الغفار عثمان في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وأنا على أعتاب التخرج والدخول إلى الجامعة. وعرفته في زمن كانت فيه الساحة الفكرية في السودان تموج بالتيارات والأفكار، وتشتد فيه المواجهة بين دعاة السنة من جهة، والتيارات الباطنية والعلمانية والفلسفية والفكر الجمهوري وبعض أطروحات الاستشراق من جهة أخرى. وفي مثل تلك الأزمنة لا تكشف المواقف عن كثرة المتحدثين بقدر ما تكشف عن قيمة الرجال؛ فهناك فرق بين من يعرف أسماء الأفكار، ومن يعرف كيف يفككها، وبين من يردد الردود، ومن يدخل إلى كتب أصحابها ويستخرج منها ما يهدم دعاواهم.
و *كان البروف محمد عبد الغفار عثمان من هذا الصنف الأخير.* *كان من أوائل أبناء جماعة أنصار السنة المحمدية الذين جمعوا بين الانتماء إلى دعوة التوحيد* *والتحصيل الأكاديمي العالي. درس في جامعة الخرطوم، ثم واصل دراسته في لندن، وبرز في تخصصه الأكاديمي، ولكنه لم يسمح للشهادة الجامعية أن تحبسه داخل أسوار تخصصه. كان له شغف ظاهر بالعلوم الشرعية، واهتمام بالعقيدة والسنة وقضايا الفكر، فاجتمع فيه أمران قلّ أن يجتمعا بهذه الصورة: صرامة الأكاديمي وغيرة الداعية، وأدوات الباحث ومرجعية طالب العلم الشرعي.*
وهنا كانت خصوصية الرجل.
فقد عاش في بيئة أكاديمية، وقرأ الفكر الغربي والفلسفات والمستشرقين، لكنه *لم يكن من أولئك الذين كلما ازدادوا معرفة بالفكر الغربي ازدادوا انبهارًا به وبعدًا عن تراثهم. بل كان يعود من قراءاته أكثر قدرة على كشف مواطن الخلل والتناقض. لم تكن الأسماء الكبيرة ترهبه، ولا المصطلحات الفلسفية تخدعه، ولا شهرة الكاتب تمنح فكرته حصانة من النقد*.كان يقرأهم من كتبهم، *ثم يناقشهم من داخل أفكارهم. وهذه ميزة مهمة؛ لأن أسهل أنواع النقد أن تنسب إلى خصمك قولًا ثم ترد عليه، أما النقد الذي يبقى فهو أن تفتح كتابه، وتقرأ حجته، وتفهم مقدماتها، ثم تكشف التناقض بين أولها وآخرها، أو بين ما قرره في موضع وما هدمه في موضع آخر. وهذا ما كنت أراه في البروف محمد عبد الغفار.*
ولذلك كان شوكة حوت في حلق التيارات العلمانية والفكر الاستشراقي؛ لم يكن صوته عاليًا بلا علم، *وإنما كانت قوته في أنه يعرف ماذا يقول، ومن أين جاء القول الذي يناقشه. وكان يكشف ما يراه من مراوغات بعض المستشرقين وتدليسهم وانتقائيتهم في تناول الإسلام والسنة والتاريخ الإسلامي، مستخرجًا الحجة من كتبهم، وكاشفًا تناقضاتهم بما سطروه هم، لا بما نُقل عنهم.*
وكان يدرك مبكرًا أن المعركة الفكرية لا تُخاض بالشعارات، وأن الداعية الذي يريد مواجهة فلسفة أو علمانية أو استشراق وهو لم يقرأ لأصحابها، قد يمنحهم من حيث لا يشعر فرصة الانتصار عليه. لذلك كانت طريقته تقوم على الفهم قبل الرد، والقراءة قبل الحكم، والحجة قبل الشعار.
*وأذكر من مناقشاته ما كان يتصل بالقصة الفلسفية الشهيرة «حي بن يقظان» لابن طفيل؛ قصة الإنسان الذي نشأ منعزلًا عن البشر في جزيرة، وتذكر الرواية أن ظبية تولت رضاعه ورعايته، ثم أخذ يتأمل الموجودات حتى انتهى بعقله إلى معرفة الخالق*.
*قد تبدو القصة لأول وهلة مجرد حكاية فلسفية جميلة، ولكن البروف كان يلتقط ما وراء الحكاية من سؤال أكبر: هل يستطيع العقل الإنساني والفطرة وحدهما أن يستغنيا عن الوحي والنبوة؟*
وهنا تظهر قيمة القراءة العميقة.
*فالعقل قد يدل الإنسان على وجود الخالق، والفطرة قد تهيئه لقبول الحق، ولكن من أين يعرف العقل وحده كيف يعبد الله؟ ومن* *أين يعرف مراد الله التفصيلي؟ ومن أين يعرف الحلال والحرام، والعبادات ومقاديرها وهيئاتها، وما يحبه الله وما يبغضه؟ إن معرفة وجود الخالق شيء، ومعرفة شرعه ومراده شيء آخر.* *ومن هنا كان البروف يناقش ما يمكن أن تنتهي إليه بعض القراءات الفلسفية من تضخيم قدرة العقل حتى يكاد يستغني عن الوحي. وكان يؤكد بفهمه الشرعي أن العقل الصحيح لا* *يعارض النقل الصحيح، ولكنه كذلك لا يحل محل النبوة؛ فالله سبحانه لم يبعث الرسل عبثًا، وإنما بعثهم لأن البشرية محتاجة إلى الوحي مهما بلغت عقولها.*
ولم تكن معاركه الفكرية بعيدة عن الواقع السوداني. *فقد تصدى مبكرًا لفكر محمود محمد طه والفكر الجمهوري، وقرأه قراءة متأنية، وحاول النفاذ إلى أصوله لا الوقوف عند ألفاظه الخارجية. وكانت له استنباطات وقراءات عميقة لهذه الفكرة أفاد منها الدعاة في فهم بنائها الداخلي والرد عليها.*
*وهذا جانب ينبغي ألا يُنسى من تاريخ الرجل؛ لأن بعض الناس يستطيع أن يقرأ الفكرة، وقليلون يستطيعون اكتشاف المفتاح الذي يفسر بقية أجزائها. والبروف محمد عبد الغفار كان يمتلك هذه الملكة: يبحث عن الأصل الذي بُنيت عليه الفكرة، فإذا كشف اضطرابه أصبح من السهل فهم ما تفرع عنه.*
*وكان هذا المنهج حاضرًا أيضًا في قراءته للفلسفات والتيارات العلمانية وكتابات المستشرقين. لم يكن يتعامل معها باعتبارها كتلة واحدة، ولا يكتفي بوصفها بأنها مخالفة للإسلام، بل كان يسأل: ما مقدماتها؟ وما مصادرها؟ وما مفهومها للإنسان والوحي والنبوة؟ وأين تتناقض دعاواها مع نتائجها؟*
وبهذا كان يمنح الدعاة أدوات للفهم، لا مجرد أجوبة للحفظ.
*على أن من يعرف البروف محمد عبد الغفار من زاوية معاركه الفكرية وحدها، فإنه لا يعرف الرجل كاملًا؛ فقد كان وراء ذلك العقل الناقد والفكر الصلب قلبٌ متعلق بالسنة النبوية، محبٌّ لها، شديد الحرص على التثبت من حديث رسول الله ﷺ، ومعرفة صحيحه من ضعيفه.*
وأذكر مجالساته الدورية مع الشيخ صلاح طيفور وغيره من المشايخ والإخوة، حيث *كانت الأحاديث تُطرح وتناقش، ويتباحثون في الصحيح والضعيف، ويتابعون ما يستجد من جهود علماء الحديث. وكان الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله يومها قد أحدث بحركة التخريج والتحقيق نشاطًا علميًا واسعًا، فكان البروف شديد الحرص على معرفة الجديد مما حققه الشيخ، والاستفادة منه ومناقشته.* ونحن نتحدث عن زمن لم يكن الوصول فيه إلى المعلومة كما هو اليوم؛ لا مكتبات إلكترونية، ولا محركات بحث، ولا كتاب يصل إلى يدك بضغطة زر. كان الحصول على الجديد من الكتب والتحقيقات العلمية يحتاج إلى متابعة وسؤال ومراسلة وانتظار. ومع ذلك كان الرجل حريصًا على أن يعرف الحديث الصحيح، وأن يميز الثابت من غير الثابت.
*وهذا الحب للسنة لم يكن عنده هواية علمية، بل كان جزءًا من تكوينه ومنهجه؛ فقد كان يرى أن دعوة التوحيد لا تنفصل عن اتباع السنة، وأن إصلاح الفكر لا يكون بعيدًا عن الوحي.*
*ومن المواقف التي لا أنساها له موقفه من الخلاف الذي وقع في جماعة أنصار السنة المحمدية في نهاية الثمانينيات؛ فقد كان، في مرحلة من مراحل ذلك الخلاف، ممن انحازوا إلى جمعية الكتاب والسنة. وكان يمكن لرجل في مكانته الأكاديمية والفكرية أن يتمسك بموقفه، وأن تجعله مكانته العلمية أسيرًا لكبرياء الرأي، كما يقع لكثيرين. لكن الذي حدث كان مختلفًا؛ إذ جرت معه حوارات شارك فيها مشايخ من داخل السودان وخارجه، فاستمع وناقش وراجع، ثم لما تبيّن له خطأ موقفه، أعلن رجوعه إلى الجماعة وانحيازه إليها من جديد، ودعا الآخرين إلى الرجوع والاجتماع وانتظم في العمل معها.* وكان ذلك شاهدًا على *تجرده للحق؛ فالرجوع عن الخطأ فضيلة، والتمادي فيه بعد تبيّنه ليس ثباتًا على المبدأ، وإنما إصرار على الخطأ، والحق أحق أن يُتبع.* *وهنا، في تقديري، ظهرت عظمة أخرى في شخصية البروف محمد عبد الغفار.* *فالرجال لا يُعرفون فقط بثباتهم على مواقفهم؛ بل يُعرفون كذلك بقدرتهم على الرجوع عنها عندما يتبين لهم أن الحق في غيرها. وما أكثر من يستطيع الانتصار لرأيه، وما أقل من يستطيع الانتصار على نفسه.*
*إن الرجوع إلى الحق ليس هزيمة، بل هو أحد أشرف انتصارات العالم على نفسه. والعالم الذي تمنعه مكانته من مراجعة رأيه أسير لمكانته، أما الذي يستطيع أن يقول: رجعتُ عما كنت أراه؛ فهذا رجل جعل الحق أكبر من ذاته.*
وكان البروف حريصًا على وحدة جماعة أنصار السنة واجتماع كلمتها، ولم يكن ينظر إلى الجماعة باعتبارها مجرد إطار تنظيمي، وإنما باعتبارها وعاءً لدعوة التوحيد والسنة التي أحبها وعاش من أجلها.
ثم جاءت مرحلة أخرى من حياته تكشف جانبًا بالغ الجمال في شخصيته. فبعد الجامعة، ولندن، والفلسفة، والاستشراق، والمعارك الفكرية، والمناظرات، اتجه بصورة أكبر إلى المساجد وتدريس أمهات الكتب. *وهنا تتجلى صورة العالم الحقيقية.*
لم ير أن الأستاذ الجامعي أكبر *من أن يجلس في مسجد يشرح كتابًا لطالب علم، ولم ير أن من قرأ كبار الفلاسفة والمستشرقين قد تجاوز مرحلة تعليم الناس* *أبواب العقيدة والحديث والفقه. كان يعلم أن العلم الذي لا ينتهي إلى هداية الناس علم ناقص الثمرة، وأن أعظم ما يمكن أن يقدمه العالم أن يربط الناس بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ.*
كان زاهدًا، بسيطًا، *محبًا للتوحيد، بعيدًا عن طلب الأضواء. لم تحجبه الألقاب الأكاديمية عن المسجد، ولم تمنعه المعرفة بالفكر العالمي من الجلوس إلى كتب علماء الأمة، ولم تجعله لندن يستصغر مجالس العلم في مساجد السودان.*
وهذه، في نظري، هي قصة محمد عبد الغفار عثمان كلها.
*رجل دخل الجامعة فلم تخرجه الجامعة من المسجد وقرأ الفلسفة فلم تسلبه الفطرة وقرأ* للمستشرقين فلم ينبهر *بهم. وعرف الفكر الغربي فلم* *يفقد ثقته بوحيه.وخاض الخلاف ثم امتلك شجاعة الرجوع.وحمل الألقاب العلمية الكبيرة، ثم وجد* سعادته في تعليم الناس التوحيد والسنة.
*إننا حين نتحدث عن البروف محمد عبد الغفار عثمان لا نستعيد مجرد سيرة رجل عرفناه في الثمانينيات؛ وإنما نستعيد نموذجًا نحن أحوج ما نكون إليه اليوم: نموذج العالم الذي يعرف عصره دون أن يذوب فيه، ويقرأ خصمه دون أن ينبهر به، ويتمسك بعقيدته دون أن يخاف من فتح أي كتاب، ويجمع بين قوة الحجة ونظافة المنهج.*
*نحتاج إلى طالب العلم الذي لا يخشى الفلسفة لأنه يعرف عقيدته، ولا ينبهر بالمستشرق لأنه قرأ كتابه، ولا يكتفي بإدانة العلمانية حتى يفهم أصولها، ولا يرد على الخصوم بما قيل عنهم، وإنما بما قالوه هم.*
كان البروف محمد عبد الغفار عثمان من مدرسة تقول للداعية: *اقرأ قبل أن تحاكم، وافهم قبل أن ترد، وامتلك الحجة قبل أن ترفع الصوت.*
*وتقول للأكاديمي المسلم: ليس مطلوبًا منك أن تخلع عقيدتك عند باب الجامعة حتى تكون باحثًا، ولا أن تتخلى عن أدوات البحث حتى تكون داعية. تستطيع أن تكون أكاديميًا رصينًا، ومسلمًا معتزًا بوحيه، وناقدًا يمتلك أدوات النقد، وداعية يعرف زمانه وما يدور فيه.*
*وتقول لطالب العلم: إن السنة لا يحرسها الجهل بالواقع، وإن العقيدة لا يحميها الهروب من الأسئلة، وإنما يحرسهما بعد توفيق الله علم راسخ، وعقل واعٍ، وقراءة واسعة، وحجة تعرف كيف تصل إلى موضع الداء.*
لقد كان البروف محمد عبد الغفار *رجل الجامعة حين يحتاج الموقف إلى أكاديمي، ورجل الفكر حين تحتدم معركة الأفكار، ورجل السنة حين يُبحث عن الدليل، ورجل الجماعة حين يكون الاجتماع خيرًا من التفرق، ورجل المسجد حين يحين وقت تعليم الناس.*
وهذه خصال لا تجتمع في كل أحد.
*رحم الله البروفيسور محمد عبد الغفار عثمان رحمة واسعة. فقد مضى الرجل، ولكن الرجال الذين يتركون وراءهم فكرة ومنهجًا وموقفًا لا يغيبون تمامًا. تبقى آثارهم فيمن علموهم، وفي الأفكار التي صححوها، وفي الشبهات التي كشفوها، وفي الطلاب والدعاة الذين تعلموا منهم كيف يقرأون وكيف يناقشون وكيف ينتصرون للحق بالحجة.*
رحم الله *ذلك العقل الذي لم يخدعه بريق الفلسفة، وذلك القلب الذي أحب السنة، وذلك الأكاديمي الذي لم يستعلِ على المسجد، وذلك الداعية الذي جعل التوحيد قضيته، وذلك الرجل الذي عرف أن الحق أكبر من الرجال، وأن العلم أمانة، وأن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله أثر يدل الناس على الله ٨ورسوله ﷺ.*
رحم الله البروفيسور محمد عبد الغفار عثمان، وغفر له، ورفع درجته، وجزاه عن دعوة التوحيد والسنة، وعن طلابه وإخوانه، خير الجزاء. وخالص تعازينا وصادق مواساتنا لقيادة الجماعة، ولأسرته وأهله، ولطلابه وإخوانه، ولكل من عرفه وأحبه. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته.
بمناسبة اليوم العالمي…شباب حلفا يطلقون حملة توعوية ومجتمعية لمكافحة المخدرات وتعزيز العمل الشبابي
ينظم مركز شباب امبكول بالحي الرابع بوادي حلفا يوم الاحد ١٦ اغسطس ندوة توعوية حول مخاطر الم…





