‫الرئيسية‬ مقالات حين تُفكُّ الرقابة… من يحمي مستقبل طلاب نهر النيل؟ رسالة مفتوحة إلى والي ولاية نهر النيل
مقالات - ‫‫‫‏‫53 دقيقة مضت‬

حين تُفكُّ الرقابة… من يحمي مستقبل طلاب نهر النيل؟ رسالة مفتوحة إلى والي ولاية نهر النيل

مسارات. د.نجلاء حسين المكابرابي

السيد والي ولاية نهر النيل المحترم،
انكم تعلمون جيدا ان الامتحانات ليست مجرد أوراق وأسئلة وإجابات، و النتيجة ليست رقماً يُضاف إلى سجل المدرسة. الامتحان هو اللحظة التي نقيس فيها حقيقة ما تعلّمه أبناؤنا، ونكتشف من خلالها قوة مدارسنا وضعفها، ونضع أقدامنا على الطريق الصحيح لإصلاح التعليم.

لكن ماذا يحدث عندما تتحول بعض قاعات الامتحانات، خاصة في بعض القرى والمناطق الطرفية، إلى ساحات تُفك فيها الرقابة، ويُسمح للطلاب بتبادل الإجابات، بل ويُطلب من بعضهم كشف ورقة الامتحان لزملائهم؟

هنا لا نتحدث عن مخالفة امتحانية عابرة، وإنما عن هدم صامت لأساس العملية التعليمية.

إن الطالب الذي يحصل على درجة مرتفعة لأنه نُقلت إليه الإجابة، أو كُشفت له ورقة زميله، قد يبدو في أعين المدرسة متفوقاً، لكنه في الحقيقة ضحية لنظام يسرق منه أهم حق: حقه في أن يعرف مستواه الحقيقي.

والأخطر من ذلك أن المدرسة قد تحقق نسبة نجاح عالية، فتحتفي الإدارة بالنتائج، وتُرفع الشعارات، بينما الحقيقة أن الفجوة بين الدرجات والمعرفة تتسع يوماً بعد يوم.
يا سيادة الوالي… لا تجعلوا نسبة النجاح تغطي على أزمة التعليم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم هو أن يصبح الهدف هو تحقيق نسبة نجاح مرتفعة بأي وسيلة، بدلاً من بناء طالب يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير.

فالنجاح الحقيقي ليس أن يحصل الطالب على 90% في ورقة امتحان، ثم يعجز عن قراءة نص بصورة صحيحة، أو كتابة فقرة سليمة، أو إجراء عملية رياضية بسيطة، أو فهم ما يقرأه باللغة الإنجليزية.

ومن المؤسف أن تظهر المشكلة بصورة أوضح في بعض القرى، حيث يعاني الطلاب أصلاً من ضعف في بعض المواد الأساسية، وعلى رأسها الرياضيات واللغة الإنجليزية والإملاء والقراءة والكتابة.

 

وهنا يجب أن نسأل بصراحة:
هل نعالج ضعف الطالب بالتدريس والتأهيل؟ أم نعالجه برفع درجاته؟

إذا اخترنا الطريق الثاني، فنحن لا نحل المشكلة… بل نؤجل انفجارها إلى الجامعة وسوق العمل والمجتمع.

 

الطالب ليس رقماً في كشف النتائج
أيها المسؤولون عن التعليم في نهر النيل، إن الطالب الذي نكشف له ورقة زميله لا نساعده؛ نحن نؤذيه.
نحن نعلمه أن الطريق الأقصر إلى النجاح هو الغش، وأن الدرجة أهم من المعرفة، وأن الالتزام بالقواعد يمكن أن يتغير عندما نريد رفع النتيجة.

وهذه رسالة تربوية خطيرة للغاية.
فالمدرسة التي تسمح بالتسريب أو تتساهل في الرقابة قد تحصل على نتيجة جميلة في كشف الإحصاءات، لكنها تخسر شيئاً أكبر بكثير: ثقة المجتمع في التعليم.
المطلوب ليس العقاب … المطلوب هو إصلاح المنظومة
يا سيادة الوالي،
نحن لا نطالب بحملة عقوبات عشوائية ضد المعلمين أو المدارس، ولا نريد تشويه سمعة المؤسسات التعليمية، وإنما نطالب بإجراء مهني وشجاع يضع الحقيقة أمام الجميع.
نريد لجنة تربوية محايدة للتحقق من مستوى الانضباط في الامتحانات، خاصة في المناطق التي تتكرر فيها الشكاوى، مع مراجعة نتائج المدارس ذات النسب المرتفعة بصورة غير معتادة، ومقارنة النتائج بمستوى الطلاب الفعلي في الاختبارات التشخيصية.
كما نحتاج إلى تشديد الرقابة على مراكز الامتحانات، وتدوير المراقبين، ومنع أي تدخل محلي في سير الامتحان، وفتح قناة آمنة لأولياء الأمور والمعلمين والطلاب للإبلاغ عن أي تجاوزات دون خوف أو ضغوط اجتماعية.
والأهم من ذلك كله: إطلاق برنامج عاجل لمعالجة ضعف الطلاب في الرياضيات والإنجليزية والقراءة والإملاء، بدلاً من محاولة إخفاء الضعف خلف درجات مرتفعة.
رسالة أخيرة
سيادة الوالي،
إن ولاية نهر النيل تستحق تعليماً يليق بأبنائها، وتعليماً لا يخاف من النتيجة الحقيقية، ولا يحتاج إلى تسريب أو فك رقابة أو كشف أوراق حتى يعلن نجاحه.
فلنترك للطالب فرصة أن ينجح بجهده، وللمعلم فرصة أن يعلّم بضميره، وللمدرسة فرصة أن تقيس أداءها بصدق، وللوزارة فرصة أن ترى الواقع كما هو، لا كما نحب أن يظهر في التقارير.
فالدرجة التي تأتي بالغش قد ترفع اسم مدرسة، لكنها لا تبني وطناً.
أما الطالب الذي يخرج من قاعة الامتحان وهو يعرف أن درجته تعكس علمه الحقيقي، فقد لا يحصل اليوم على أعلى نسبة… لكنه سيكون غداً مهندساً أو طبيباً أو معلماً أو مسؤولاً يعرف أن النجاح الحقيقي لا يُمنح، ولا يُسرّب، ولا يُكشف من ورقة زميل.
إنقاذ التعليم يبدأ من ورقة الامتحان.
وحماية ورقة الامتحان هي حماية لمستقبل نهر النيل كله.

‫شاهد أيضًا‬

تحالف أبناء ولاية الخرطوم.. في عيد الجيش تتجدد راية الوفاء والعهد

لم تكن تهنئة تحالف أبناء ولاية الخرطوم للقوات المسلحة السودانية في عيدها الثاني والسبعين م…