السودان .. الوحوش التي ظهرت ما بعد الحرب
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

««الحرب لا تنتهي عندما تتوقف البنادق… أحيانًا تبدأ أخطر مراحلها عندما يصمت الرصاص.»»
في مقالات سابقة من #أصل_القضية، طرحنا سؤالًا ظل يتكرر من زوايا مختلفة: هل نجح المخطط في فصل المواطن السوداني عن وطنه؟
اليوم، ربما أصبح السؤال أكثر خطورة: هل بدأت الحرب تفصل المواطن السوداني عن المواطن السوداني؟
فالحرب في السودان لم تعد، منذ وقت طويل، مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، ولا مجرد تمرد مسلح استهدف الدولة وبنيتها التحتية. لقد تحولت إلى إدارة للصراع؛ صراعٍ استنزف الجغرافيا، وغيّر الديموغرافيا، ومزّق الروابط الاجتماعية، وأعاد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان وبالآخر.
وأخطر ما يمكن أن تفرزه هذه الحرب هو ما أسميه هنا «الانفصام الوطني»؛ حين يبقى السوداني سودانيًا بالهوية، لكنه يبدأ في النظر إلى سوداني آخر باعتباره خصمًا، أو متهمًا، أو خائنًا، أو مشروع عدو.
وهنا تبدأ الوحوش التي تلدها الحروب.
فالوحش ليس بالضرورة ذلك الذي حمل السلاح، أو قتل، أو نهب، أو شرّد. الأخطر هو الوحش الذي يمكن أن يتشكل داخل الإنسان العادي عندما يتحول الخوف إلى كراهية، والصدمة إلى عدوان، والشك إلى يقين، والاختلاف إلى تخوين.
والسؤال الذي ينبغي أن يقلقنا: ماذا نفعل قبل أن تصبح هذه السلوكيات طبيعية في المجتمع السوداني؟
هنا تحديدًا يظهر مفهوم رأس المال الاجتماعي؛ ذلك الرصيد غير المرئي من الثقة والتكافل والتعاون والانتماء الذي يجعل المجتمع مجتمعًا، لا مجرد أفراد يعيشون داخل حدود جغرافية واحدة.
ولعل ما حدث في بدايات تحرير العاصمة الخرطوم يقدم لنا درسًا مهمًا في هذا السياق.
فقد كانت المؤسسة الوطنية التعاونية التابعة للقوات المسلحة، إلى جانب قوافل الإسناد المدني، حاضرة في مشهد دعم المواطن ومساندته، في صورة أعادت شيئًا من معنى التكافل الوطني في لحظة كان فيها المجتمع في أمسّ الحاجة إلى من يقف إلى جواره.
وهنا أقول بوضوح حتى لا يُساء فهم المقصود: هذه ليست دعوة إلى عسكرة الدولة، ولا إلى تغول المؤسسة العسكرية على المجال المدني، ولا إلى استبدال الدولة المدنية بالمؤسسة العسكرية.
بل العكس تمامًا.
إنها دعوة إلى طرح سؤال صريح على الشق المدني من الدولة ومؤسساتها:
ماذا قدم للمواطن السوداني خلال هذه الحرب؟
وأين كانت المؤسسات المدنية حين كان المواطن يبحث عن الماء والغذاء والأمان والمعلومة والمساندة؟
فإذا كانت المؤسسة العسكرية، رغم طبيعة وظيفتها، قد وجدت نفسها في لحظات كثيرة إلى جوار المواطن، فأين كان المشروع المدني الموازي؟
ولست هنا بصدد توزيع صكوك الوطنية أو اتهام مؤسسات بعينها؛ لكن لا يمكن أن نبني رأس المال الاجتماعي بشعارات تُسحب من رصيد المواطن على المكشوف.
فالناس لا تستعيد ثقتها بالدولة من خلال البيانات، وإنما من خلال المواقف.
والمؤسسة التي لا يجدها المواطن في لحظة احتياجه، ثم تطلب منه لاحقًا أن يثق بها، تشبه من يطلب شيكًا جديدًا من حساب استُنزف أصلًا.
لهذا، فإن معركة ما بعد الحرب ليست فقط معركة إعادة إعمار الخرطوم، أو إصلاح الطرق والمستشفيات والمؤسسات.
إنها معركة إعادة بناء الإنسان السوداني.
نحتاج إلى دولة تعيد إنتاج الثقة، ومؤسسات مدنية تستعيد وظيفتها الاجتماعية، وسياسات تمنع خطاب الكراهية من التحول إلى ثقافة، ومشروع وطني يعيد النازح إلى مكانه، والمواطن إلى مواطنه، والسوداني إلى السودان.
فمن منظور الجسر والمورد، فإن أخطر مورد يمكن أن نخسره ليس الذهب ولا الأرض ولا النفط ولا المياه.
إنه رأس المال الاجتماعي.
لأننا إذا فقدناه، فقد نعيد بناء السودان بالحجر…
لكننا لن نعيد بناء الوطن.
والإنذار المبكر الذي ينبغي أن نسمعه الآن هو:
الحرب التي دمرت المدن قد تنتهي… أما الحرب التي بدأت داخل الإنسان، فتركها بلا علاج قد يجعلها أطول عمرًا من الحرب نفسها.
ورشة لرفع الكفاءة الإدارية بصندوق رعاية الطلاب بالخرطوم
نظم صندوق رعاية الطلاب بولاية الخرطوم ، بالتنسيق مع الإدارة العامة للشؤون المالية والاداري…





