استهداف العلماء استهداف للأمة
محجوب أبو القاسم

لم تعد المعركة تدور على الجبهات العسكرية والسياسية وحدها في السودان بل امتدت إلى أعمق من ذلك لتلامس الهوية الدينية والوجدان الشعبي والنسيج الاجتماعي الذي ظل رغم تعاقب الأزمات واحدا من أقوى عناصر تماسك المجتمع.
ومن هنا فإن استهداف العلماء والقراء والرموز الدينية أو تحويل مواقفهم إلى مادة للمزايدات والخصومات السياسية ليس مجرد خلاف عابر بل هو مسار خطير ينبغي التعامل معه بوعي ومسؤولية لأن ضرب الرموز التي تحظى باحترام المجتمع قد يتحول إلى محاولة لضرب الثقة ذاتها التي تجمع الناس حول قيمهم وثوابتهم.
ففي الايام السابقة نشط ناشطون على وسائط التواصل الاجتماعي على استهداف رمز من رموز الدين القارئ
الشيخ الزين محمد أحمد وهو ليس اسما عابر في المشهد السوداني فقد ارتبط صوته بالقرآن الكريم في وجدان أجيال كاملة واستطاع عبر سنوات طويلة أن يحظى بمكانة واسعة لدى السودانيين بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية والاجتماعية.
ولهذا فإن تحويله إلى هدف لحملات التشكيك والتجريح بسبب موقف أو صمت أو اجتهاد شخصي يفتح الباب أمام سؤال أكبر هل المطلوب محاسبة شخص على موقفه أم استدراج المجتمع إلى معركة تستهدف رموزه الدينية وتضعها في مواجهة جمهورها؟
الاختلاف حق والنقد حق والمساءلة حق لكن تحويل الخلاف إلى حملات ممنهجة ضد أهل القرآن والعلم والدعوة لا يخدم قضية وطنية ولا يبني مجتمعا متماسكا بل يفتح أبوابا واسعة للفتنة.
السودان يعيش الان لحظة تاريخية بالغة التعقيد والمواطن الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى مزيد من المعارك الجانبية يحتاج إلى الأمن وإلى عودة مؤسسات الدولة وإلى وحدة الصف وإلى خطاب يجمع ولا يفرق.
وفي مثل هذه الظروف تصبح إثارة الصراعات حول الرموز الدينية نوعا من تشتيت الانتباه عن المعركة الأكبر معركة الحفاظ على الدولةوصون المجتمع وحماية الهوية السودانية
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الخلاف السياسي إلى خصومة مع الدين أو أن تصبح الرموز الدينية وقودا لصراع سياسي لا علاقة لها به.
فإن إقحام أهل القرآن في التجاذبات السياسية وتصنيفهم وفق مواقف سياسية ثم محاولة عزلهم عن مجتمعهم أمر لا يخدم السودان ولا مستقبله،
فالرموز الدينية ليست ملكا لحزب أو تيار أو جماعة والقرآن الكريم ليس عنوان لمعسكر سياسي دون آخر والإسلام في السودان ظل جزء أصيل من تكوين المجتمع ووجدانه وسيظل كذلك بعيد عن محاولات التوظيف السياسي أو الإقصاء الأيديولوجي.
ومن الخطأ أن يطلب من القارئ أو العالم أن يكون نسخة من السياسي أو أن يحاسب على مواقفه كما يحاسب صاحب المنصب السياسي.
فلكل موقع طبيعته ولكل إنسان حقه في التعبير أو الصمت ما لم يرتكب مخالفة تستوجب المساءلة القانونية.
لقد أثبت الشعب في محطات كثيرة أنه أكثر وعيا من حملات التضليل والاستقطاب. وحين يشعر بأن استهداف شخص ما يتجاوز حدود النقد إلى محاولة النيل من قيمة دينية أو اجتماعية راسخةفإنه قادر على التمييز بين النقد المسؤول وبين حملات التشويه.
إن قوة السودان الحقيقية ليست في السلاح وحده ولا في السياسة وحدها وإنما في الإنسان السوداني وفي قدرته على حماية هويته وتقاليده وقيمه وفي احترامه لعلمائه وأهل القرآن وفي التفافه حول كل ما يحفظ وحدة البلاد وسيادتها.
أما الذين يراهنون على تفكيك المجتمع عبر ضرب رموزه الدينية أو إشعال الخصومات بين الشعب وأهل القرآن فعليهم أن يدركوا أن هذه المعارك خاسرة لأن المجتمع السوداني رغم جراحه ما زال يمتلك مناعة أخلاقية ودينية واجتماعية قادرة على إفشال محاولات التفكيك.
المطلوب اليوم ليس صناعة خصومات جديدة وإنما صناعة وطن
وليس المطلوب إسكات المختلفين وإنما إدارة الاختلاف بعقل ومسؤولية.
وليس المطلوب تحويل العلماء والقراء إلى أطراف في الصراع وإنما احترام مكانتهم وترك مساحة لهم بعيدا عن الاستقطاب السياسي.
فالسودان الذي يواجه حرب قاسية فرضتها مليشيا ال دقلو يحتاج إلى كلمة تجمع وصوت يعقل وعقل يطفئ الفتنةوقيادة تحمي الدولةومجتمع يحافظ على قيمه.
إن استهداف العلماء ليس استهداف لأشخاصهم فحسب بل قد يصبح إذا تحول إلى منهج استهداف لجسر من جسور التماسك الاجتماعي.
ولهذا فإن الرد الحقيقي على المرجفين ليس بالصراخ ولا بالشتائم ولا بمزيد من الاستقطاب وإنما بالوعي ووحدة الصف وحماية الدولة وصون الهوية وإغلاق أبواب الفتنة.
فالسودان لن يبنى بإقصاء رموزه ولن ينهض بتمزيق مجتمعه وإنما يتعافى حين يلتقي أبناؤه على وطن يتسع للجميع ويحترم دينه ويحفظ كرامة إنسانه ويضع مصلحة السودان فوق كل خصومة.
ولنا عودة
وكيل الإعلام : خطة لتطوير الصحافة والإعلام الإلكتروني في مرحلة ما بعد الحرب
أكدت وكيل وزارة الإعلام الأستاذة سمية الهادي حرص الوزارة على تطوير الصحافة والصحفيين وقطاع…





