‫الرئيسية‬ مقالات حين ترى الأمم المتحدة الحقيقة ثم تخشى أن تنطق بها
مقالات - ‫‫‫‏‫25 دقيقة مضت‬

حين ترى الأمم المتحدة الحقيقة ثم تخشى أن تنطق بها

السفير رشاد فراج الطيب

عجيب أمر الأمم المتحدة ؛ ترى أشياء ، وتسمع أشياء ، وتوثق أشياء ، ثم تقول أشياء أخرى !

 

استمعت اليوم إلى إحاطة وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام الدولي ، روزماري ديكارلو ، أمام مجلس الأمن الدولي بشأن السودان .

 

ولا شك أن الإحاطة تضمنت أرقاماً صادمة عن حجم الكارثة ، من بينها نزوح نحو 13 مليون سوداني ، وتوثيق مقتل نحو 1400 مدني خلال الأشهر الستة الأولى من العام ، بينهم نحو 1100 قتلوا بضربات الطائرات المسيّرة .

كما تحدثت عن استمرار القتال وتدهور الأوضاع الإنسانية ، ودعت الأطراف إلى وقف الحرب والعودة إلى التفاوض .

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس : هل تعرف الأمم المتحدة ما يحدث في السودان ؟ بل : إذا كانت تعرف ، فلماذا لا تقول كل ما تعرفه ؟

فالشعب السوداني لا يعيش حرباً مجردة بين “طرفين متقاتلين” كما توحي بعض الصياغات الدبلوماسية الباردة والمضللة ؛ بل يعيش حرباً تتداخل فيها الجريمة المنظمة ، والتدخلات الخارجية السافرة والغاشمة ، وتدفق السلاح والمال والمقاتلين المرتزقة ، واستخدام أسلحة متطورة ، واستهداف ممنهج للمدنيين والبنية التحتية .

 

وقد سبق للأمم المتحدة نفسها أن أقرت بأن أطراف الحرب لا تستطيع مواصلة هذا المستوى من القتال من دون الأسلحة المتطورة التي تحصل عليها عبر الدعم الخارجي ، وأن استخدام الطائرات المسيّرة جعل الحرب أكثر فتكاً وانتشاراً .

 

وفي جلسة اليوم نفسها ، تحدثت دول أعضاء في المجلس بوضوح عن تدفق الأسلحة والتمويل والدعم الخارجي ، وعن الطائرات المسيّرة والمرتزقة والتدخلات العابرة للحدود .

بل إن بعض المداخلات طالبت بمحاسبة من يمدون الحرب بالسلاح والمال ، لا الاكتفاء بمحاسبة من يحمل السلاح داخل السودان .

 

إذن أين المشكلة ؟

المشكلة أن لغة الأمم المتحدة كثيراً ما تنتهي عند منطقة «الحياد» التي تتحول ، في الحروب غير المتكافئة ، إلى شكل من أشكال العجز الأخلاقي والسياسي .

حين يُقتل المدني ، يصبح السؤال : « على الأطراف أن تتوقف » .

وحين تُقصف المستشفيات والأسواق والمرافق المدنية من طرف بعينه يمارس كل هذه الجرائم وبشهادة وكلاء الامم المتحدة ، يصبح الخطاب : «ندعو جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي الإنساني» .

وحين تتدفق الأسلحة والمقاتلون والمرتزقة عبر الحدود من دول تعلمها الامم المتحدة ، تصبح العبارة : “نحث جميع الأطراف الخارجية” على وقف الدعم » .

لكن من يفعل ماذا ؟ ومن يسلّح من ؟ ومن يعبر الحدود ؟ ومن يقصف بالمسيرات العابرة للحدود الوطنية والمنتهكة للسيادة ؟ ومن يحاصر المدن ثم يقتحمها ثم يقتل ربع سكانها ؟ ومن يرتكب جرائم الحرب والتجويع والارهاب ضد المدنيين ؟ هذه ليست تفاصيل ثانوية .

إنها جوهر الحقيقة التي يفترض أن تشهد بها المنظمة الدولية وتحمل المسؤولية لمرتكبيها وداعميهم .

 

ولكن كما قال مندوب السودان الدائم السفير الحارث في ذات الجلسة لأعضاء مجلس الامن : ( لن يجرؤ أحد منكم علي الاشارة الي من انتهك حظر السلاح الي دارفور ويدخل الأسلحة الي هناك لقتل المدنيين ! ) .

 

لقد أنشأ العالم الأمم المتحدة بعد حربين عالميتين وبعد فشل عصبة الأمم ، لا لكي تكون شاهداً صامتاً على المآسي ، وإنما لكي تكون إطاراً لحماية السلم والأمن الدوليين ، واحترام سيادة الدول واستقلالها ، ومنع استخدام القوة ضد سلامة أراضيها وكيانها الوطني والسياسي .

 

وميثاق الأمم المتحدة لا يكتفي بالدعوة إلى السلام ؛ فهو يؤكد مبدأ المساواة في السيادة ، ويحظر التهديد باستخدام القوة ، ويقر صراحة بحق الدولة في الدفاع عن نفسها فردياً أو جماعياً إذا تعرضت لهجوم مسلح .

 

كما أن منظومة العدالة الدولية التي أنشأها المجتمع الدولي بعد عقود من المآسي لم تجعل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والعدوان مجرد عبارات سياسية ؛ فقد نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية صراحة على اختصاص المحكمة بهذه الجرائم .

فأين يذهب كل ذلك عندما تكون الدولة والمجتمع والشعب أمام عدوان مسلح تدعمه قوى خارجية ؟

 

لا نطالب الأمم المتحدة بأن تكون طرفاً في الحرب ، ولا بأن تحمل السلاح نيابة عن أحد . نطالبها فقط بأن تكون شاهداً أميناً على الحقيقة ، وحارساً للميثاق ، ومدافعاً عن القانون الدولي دون انتقائية أو ازدواجية .

 

فالحياد بين الضحية والجاني ليست عدلاً ، والصمت أمام الجريمة ليس حياداً ايجابيا ، والتعميم حين تكون الوقائع محددة ليس حكمة ، واستخدام عبارة «الأطراف» لإخفاء الفارق بين من يدافع عن دولة ومؤسساتها ويقوم بواجبه الوطني والدستوري ، ومن يسعى إلى إخضاعها بقوة السلاح بدعم خارجي بالسلاح والمرتزقة ، قد يتحول من لغة دبلوماسية إلى تضليل متعمد .

 

لقد رأى العالم ما جرى في السودان ، كما رأى ما جرى وما يزال يجري في فلسطين ولبنان .

رأى القتل والحرق والتهجير والاغتصاب والتجويع وتدمير المستشفيات والمدارس ودور العبادة والأسواق ومقومات الحياة .

ورأى ، في بعض الحالات ، من يرتكب الجريمة وهو يصورها ويتباهى بها !

 

والشعوب لا تطلب من الأمم المتحدة خطباً أجمل ، وإنما تطلب صدقا تتبعه عدالة وانصافا .

إن أخطر ما يمكن أن تخسره الأمم المتحدة ليس قراراً في مجلس الأمن ولا نفوذاً سياسياً ، وإنما ثقة الشعوب في أنها ما زالت تمثل شيئاً اسمه القانون الدولي .

 

فإذا كانت المنظمة الدولية ترى الحقيقة ولا تستطيع أن تقولها ، وتعرف المعتدي ولا تستطيع أن تسميه ، وترى السلاح يتدفق عبر الحدود ولا تستطيع أن توقفه ، وتوثق الجرائم ثم تكتفي بالدعوة إلى «جلوس الطرفين إلى طاولة التفاوض» لتقاسم السلطة والثروة ، فإن السؤال الذي سيبقى معلقاً في ضمير العالم هو :

هل ما زالت الأمم المتحدة حارسةً للسلم والأمن والعدالة الدولية ، أم أنها أصبحت وللأسف مجرد شاهدٍ دولي على انهيارها الحتمي ؟

‫شاهد أيضًا‬

حلفا ترفع جاهزية معابرها.. شراكة مع الهلال الاحمر لتعزيز خدمات العائدين

التقى نائب المدير التنفيذي لمحلية حلفا الاستاذ علي هاشم علي وفد جمعية الهلال الاحمر السودا…