مسعد بولس هل تسمعني حولٍ
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

بشهادةِ الأمريكيينَ أنفسِهم، وبما رصدتْه أقمارُهم ووثّقتْه تقاريرُ مراكزِ أبحاثِهم، تحركتْ حشودٌ إثيوبيةٌ منظمةٌ على الحدودِ السودانية ،وتحركَ معها دعمٌ لوجستيٌ ثقيلٌ، وتحركتْ معه طائراتُ شحنٍ محملةٌ بالمرتزقةِ وبالعتادِ وبالذخائرِ، ومسيرات وقد اسقط السودان منها اربعة مسيرات هذا ليسَ حديثَ إعلامٍ ولا تحليلَ نشطاءٍ، بل شهادةٌ خرجتْ من قلبِ واشنطنَ، من أفواهِ من يرونَ كلَ شيءٍ من فوقٍ ثم يختارونَ متى يتكلمونَ ومتى يصمتونَ.
وهنا نتذكرُ قصة موجعُة أكثرَ من الرصاصِ، قالوا: في كديسٍ وفأرٍ في مركبٍ وفي نصِ البحرِ، الكديسُ قالَ للفأرِ غبرتَنا. الفأرُ ردَ عليه: هو في البحرِ في غبارٍ؟ الكديسُ قالَ له: لماضتُكم دي هيَ الخلتْنا ناكلكم. قصةٌ قصيرةٌ لكنها تلخصُ منطقَ من يريدُ أن يأكلَ وطناً كاملاً ثم يشتكي من مقاومةِ أهلِه.
مسعد بولس يريدُ أن يأكلَ السودانَ. يريدُ أن يرسمَ له خريطةً جديدةً بقلمٍ أمريكيٍ وبحبرٍ إثيوبيٍ وبتشادٍ تفتحُ ظهرَها. يريدُ أن يقولَ للعالمِ إن السودانَ دولةٌ فاشلةٌ فهيا نقتسمُها، وإن جيشَه منهكٌ فهيا نكملُ عليه، وإن شعبَه جائعٌ فهيا نشتريهِ بطحينٍ مسمومٍ. يريدُ أن يجلسَ على طاولةٍ لا كرسيَ له فيها فيقررَ مصيرَ بلدٍ بحجمِ قارةٍ، بلدٍ علمَ الدنيا معنى الصمودِ قبلَ أن يعرفَ هو معنى الخريطةِ يريد ان يكون بريمر السودان علي قرار بريمر العراق.
لكن هيهاتَ. السودانُ ليسَ ضعيفاً. السودانُ يمرضُ ولكنه لايموتُ. السودانُ قد ينزفُ وقد تجوعُ بطونُ أبنائِه وقد تهدمُ بيوتُهم، لكنه لا ينكسرُ. السودانُ الذي خرجَ من حربٍ إلى حربٍ ومن حصارٍ إلى حصارٍ ومن مؤامرةٍ إلى مؤامرةٍ، يعرفُ جيداً رائحةَ الخونةِ ويعرفُ جيداً لونَ البارودِ الذي يأتي من الخارجِ. يعرفُ أن من يمولُ المرتزقةَ اليومَ سيطالبُ بالميناءِ غداً، وأن من يرسلُ الذخائرَ اليومَ سيطلبُ الأرضَ بعدَ غدٍ، وأن من يبتسمُ في المؤتمراتِ هو نفسُه من يوقعُ على صفقاتِ الموتِ في الغرفِ المغلقةِ.
مسعد بولس هل تسمعني حولَ حول؟ هل تسمعُ صوتَ المسيراتِ وهي تعبرُ فوقَ رؤوسِ من ظنوا أنهم في مأمنٍ؟. هل تسمعُ صوتَ الجنديِ السودانيِ وهو يقولُ لن أتركَ شبراً؟ هل تسمعُ صوتَ الأمِ في السودان وهي تزغردُ لابنِها الشهيدِ؟ هل تسمعُ صوتَ التاريخِ وهو يكتبُ أن كلَ من مدَ يدَه على السودانِ قطعناها، وأن كلَ من راهنَ على سقوطِه خسرَ الرهانَ؟
الأمريكانُ أنفسُهم يشهدونَ.يشهدونَ بالحشودِ، ويشهدونَ بالدعمِ، ويشهدونَ بالمرتزقةِ. يشهدونَ ثم يغسلونَ أيديَهم ويقولونَ نحنُ دعاةُ سلامٍ. يشهدونَ ثم يرسلونَ مبعوثاً ليتحدثَ عن الحلِ السياسيِ بينما الطائراتُ تنزلُ في مطاراتٍ لا نعرفُها. يشهدونَ ثم يريدونَ أن يقنعونا أن المدافعَ التي تقتلُ أبناءَنا هي دفاعٌ عن النفسِ.
السودانُ ليسَ مركباً في نصِ البحرِ ليأكلَ الكديسُ الفأرَ فيه. السودانُ بحرٌ كاملٌ، وأمواجُه من رجالٍ متلاطمة، وشطآنُه من صبرٍ، وعمقُه من تاريخٍ. من أرادَ أن يغبرَنا فليعلمْ أن الغبارَ سيعودُ في وجهِه. ومن أرادَ أن يأكلَنا فليعلمْ أننا مرٌ لا يُبلعُ.
يموتُ السودانيُ واقفاً، ويُدفنُ في أرضِه، وتقومُ من دمهِ نخلةٌ جديدةٌ. يمرضُ لكنه لا يموتُ، لأنه يعرفُ أن المرضَ هو أن تسكتَ، وأن الضعفَ هو أن تصدقَ أن غيرَك أحنُ عليكَ منكَ.
لذلك يا مسعد بولس، اسمعْ جيداً: لن تأكلَ السودانَ. لن تأكلَه بالحشودِ الإثيوبيةِ، ولن تأكلَه بالمرتزقةِ، ولن تأكلَه بالدعمِ اللوجستيِ، ولن تأكلَه بالتقاريرِ التي تكتبُها في واشنطنَ. السودانُ باقٍ، وشعبُه باقٍ، وجيشُه باقٍ، وحتى لو احترقَتِ الدنيا كلُها سيبقى هناك سودانيٌ واحدٌ يقولُ: هذا وطني ولا مساومةَ فيه.هل تسمعني حولَ حول؟ حفظ الله السودان وشعبه من كل شر وبلاء
meehad74@gmail.com
مع تأخر وضعف معدلات الأمطار،،القطاع المروي هو الخيار
واجه الموسم الزراعي الصيفي هذا العام تحدياً كبيراً،فمع تأخر موعد هطول الأمطار وضعف معدلاته…





