‫الرئيسية‬ مقالات خيانةُ الجوارِ أشدُّ ألمٍ
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ساعات مضت‬

خيانةُ الجوارِ أشدُّ ألمٍ

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

ما أصعبَ أن يُطعنَ الإنسانُ في ظهرهِ، ولكن الأشدَّ مرارةً أن تأتي الطعنةُ من يدٍ كان يظنُها يدَ أخٍ ويدَ سندٍ. ما أصعبَ أن يُرمى البيتُ بحجرٍ من نافذةِ الجارِ الذي أكلتَ معهُ الخبزَ والملحَ سنيناً.

 

كان السودانُ دوماً أرضَ الملاذِ. إذا ضاقت الدنيا بأهلِ الحبشةِ فتحنا لهم صدورنا قبلَ بيوتنا. تاجروا في أسواقنا، وعمروا أحياءنا، وبنوا مستقبلهم على أرضنا، ولم نقل يوماً “أنتم غرباءُ”. قلنا “أنتم أهلٌ”. هكذا علمنا الكرمُ، وهكذا تعلمنا من أجدادنا أن الجارَ وصيةُ النبيِ صلي الله عليه وسلم، وأن حُرمةَ الجارِ كحُرمةِ الدمِ.

 

واليومَ في خضمِ المحنةِ التي تمرُ بها بلادنا، وفيما ترفعُ الدولةُ السودانيةُ سلاحها في وجهِ مليشياتِ الدعمِ السريعِ التي تريدُ أن تحرقَ الأخضرَ واليابسَ، تأتينا الأخبارُ التي تُدمي الفؤادَ. شبابٌ من الجوارِ، من أرضِ الحبشةِ، وُجدوا يقاتلونَ في صفوفِ من يخربونَ، ويقتلونَ، وينهبونَ. أيُ منطقٍ هذا؟ وأيُ قلبٍ يحتملُ هذا؟

 

ما الهدفُ؟ هل هو المالُ الذي يُلقى فتُباعَ بهِ المبادئُ؟ أم هي حساباتٌ ضيقةٌ تظنُ أن فوضى السودانِ فرصةٌ؟ أم هو نسيانٌ متعمدٌ لكلِ جميلٍ قديمٍ؟

 

إن الهدفَ مهما كان صغيراً فهو خاسرٌ. لأن من يبني مجدهُ على خرابِ جارهِ إنما يبني على الرملِ. وأما المغزى فهو الأقسى. المغزى أن ميثاقَ الجوارِ قد كُسرَ، وأن مفهومَ الأخوةِ قد بُذلَ في سوقِ النخاسةِ السياسيةِ. المغزى أن هناك من ظنَّ أن السودانَ غابةٌ بلا صاحبٍ فيمكنُ الدخولُ إليها بالسلاحِ بدلَ السلامِ.

 

نحزنُ مرتينِ. نحزنُ على أبنائنا الذين يسقطونَ وهم يدافعونَ عن ترابِ الوطنِ. ونحزنُ على جارنا الذي اختارَ أن يكونَ جزءاً من الخرابِ بدلاً من أن يكونَ جزءاً من الدواءِ. نحزنُ لأننا كنا نظنُ أن حدودنا معكم حدودُ أمانٍ، فإذا بها تصبحُ معبراً للبندقيةِ.

 

تذكروا يا قومُ أن التاريخَ لا ينسى. الشعوبُ قد تسامحُ ولكنها لا تنسى. وسيأتي يومٌ تهدأُ فيه البندقيةُ، وتُرفعُ فيه الأنقاضُ، ويعودُ الأطفالُ إلى مدارسهم في الفاشرونيالا والجنينة وزالنجي وكردفان والنيل الأزرق . وعندها سيُسألُ السؤالُ الكبيرُ: من كان معنا في الشدةِ؟ ومن كان ضدنا؟. أين موقعكم من الإعراب يااحباش.

 

إن من يحفرُ الحفرةَ لأخيهِ لابدَّ أن يقعَ فيها. هذهِ ليست لعنةً، هذهِ سنةُ الحياةِ. فالنارُ التي تُشعلُها في بيتِ جاركَ سيأتي الدخانُ ليخنقكَ غداً. والغدرُ دينٌ، ومن استدانَ الغدرَ سددهُ مضاعفاً.

 

يا أهلَ الجوارِ… عودوا إلى أصلِكم. كونوا كما عهدناكم سنداً لا سيفاً. فخيانةُ الجوارِ أشدُّ ألمٍ من خيانةِ العدوِ، لأن العدوَ متوقعٌ، أما الجارُ فكان الأمانَ.

 

اللهم إنا نستودعكَ السودانَ وأهلهُ، ونسألكَ أن تردَّ كيدَ الخائنينَ في نحورهم، وأن تُرينا فيهم عجائبَ قدرتكَ.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

عمر النمير رحيل مبكر لرجل ملأ الساحة حضور وعطاء

رحم الله الأخ المهندس عمر النمير رجل الأعمال المعروف ورئيس نادي المريخ السابق. غادر الفاني…