السودان.. صناعة الكراهية
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> الدعاية الإعلامية هي فن إجبار الناس على كراهية أشخاص لا يعرفونهم – ألدوس هكسلي
ربما لا توجد عبارة تصف جانبًا من مشهدنا السوداني الراهن بقدر هذه العبارة. فالحرب لا تقتل الناس بالسلاح وحده ، أحيانًا تبدأ بقتل الصورة التي يحملها الإنسان عن الإنسان الآخر وحين ينجح الخطاب في إقناعك بأن الآخر خائن بطبيعته، أو عميل بحكم انتمائه، أو مذنب لمجرد وجوده في المكان الخطأ، فإننا نكون قد انتقلنا من إدارة الصراع إلى صناعة الكراهية.
ولعلنا قلنا في مقال سابق إن أخطر ما قد يحدث للسودان هو أن تنتهي الحرب في الميدان بينما تواصل العيش في الوعي. واليوم تبدو المسألة أكثر وضوحًا ، فالبندقية قد تصمت، لكن الصورة التي صنعتها الحرب عن الآخر قد تواصل إطلاق النار.
الكراهية لا تولد دائمًا من تجربة شخصية، كثير منها شعور مستعار، تكره شخصًا لم تلتقه، وتحكم على إنسان لم تسمعه، وتشك في جار لم تعرف قصته، فقط لأن أحدًا سبقك إلى تعريفه.
> وهنا تبدأ الصناعة.
لا تحتاج الدعاية إلى اختراع كذبة كاملة، يكفي أن تأخذ واقعة صحيحة، تنتزعها من سياقها، ثم تعممها على جماعة بأكملها. ومع التكرار تتحول الواقعة إلى صورة، والصورة إلى قناعة، والقناعة إلى موقف. عندها لا يعود السؤال: ماذا فعل هذا الشخص؟ بل يصبح: من أي جماعة هو؟
> وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الانتماء من معلومة إلى تهمة.
وقد كشفت الحرب السودانية شيئًا مؤلمًا في هذا السياق: كيف يمكن أن تتحول ظروف الناس نفسها إلى أدلة اتهام. أين كنت؟ لماذا بقيت؟ لماذا غادرت؟ لماذا ساعدت هذا الجار؟ لماذا لم تهرب؟
لكن الحرب لم تمنح الجميع الخيارات نفسها. هناك من غادر لأنه استطاع، ومن بقي لأنه لم يجد طريقًا للخروج، ومن وجد نفسه بين طرفي الصراع يحاول فقط أن يحمي أسرته أو منزله أو جاره. ومع ذلك، تميل صناعة الكراهية إلى اختزال كل هذه التفاصيل في ثنائية واحدة: معنا أو ضدنا.
وهنا تلتقي صناعة الكراهية بما سميناه من قبل «عقدة الإسقاط النفسي»؛ حين يحمل الإنسان خوفه وجرحه إلى الآخر، فيبحث عن تفسير لألمه في شخص أو جماعة، ثم تتحول التجربة الخاصة إلى حكم عام.
ومع وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لا تعود المسألة مجرد نقل للخبر. فالكلمة التي تتكرر تقترن في العقل بالصورة، والصورة تتحول إلى حكم، والحكم إذا طال بقاؤه يصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية. والخبر الكاذب يمكن تكذيبه، لكن الصورة الذهنية أصعب من ذلك؛ لأنها قد تستمر حتى بعد سقوط الرواية التي صنعتها.
لهذا فإن خطاب الكراهية ليس مجرد كلمات غاضبة في فضاء إلكتروني. إنه يبدأ من الخوف، ويتغذى على الجهل، ويكبر مع غياب الثقة، ثم يعيد تعريف الآخر باعتباره خطرًا دائمًا. وعندما يحدث ذلك، يصبح التعايش تنازلًا، والحوار ضعفًا، والمصالحة خيانة.
وهنا تتحول الكراهية إلى رأس مال للصراع فكلما زاد الشك بين الناس أصبح جمعهم أصعب، وكلما اتسعت المسافة بينهم أصبح استمرار الأزمة أسهل.
ومن زاوية رؤية الجسر والمورد، فإن الخسارة هنا ليست معنوية فقط. فنحن نعتاد النظر إلى موارد السودان باعتبارها الذهب والنفط والماء والأرض، لكن هناك موردًا لا يظهر في الخرائط: قدرة السودانيين على التعاون والثقة والعمل المشترك. إنها الثروة التي تسمح بإعادة تشغيل الاقتصاد، وإعادة بناء المؤسسات، وجذب الاستثمار، وصناعة السلام.
وحين تدمر الكراهية هذه الثقة، فإنها لا تفرق بين الناس فقط إنها تستنزف رأس المال الاجتماعي الذي يحتاجه السودان أكثر من أي وقت مضى.
لذلك فإن مواجهة صناعة الكراهية لا تعني صناعة كراهية مضادة. لا يمكن أن نبني وطنًا جديدًا بالأدوات النفسية ذاتها التي مزقت وطننا. نحتاج إلى إعلام يميز بين مساءلة الفرد وتجريم الجماعة، وبين كشف الجريمة وتحويل الانتماء إلى جريمة، وإلى وعي يدرك أن من بقي ليس بالضرورة خائنًا، ومن غادر ليس بالضرورة وطنيًا، ومن صمت ليس بالضرورة متواطئًا، ومن تحدث ليس بالضرورة بطلًا.
> فالإنسان أعقد من الصورة التي تُصنع عنه.
وربما تكون هذه هي المعركة القادمة التي تحدثنا عنها، معركة لا تدور فقط على الأرض، وإنما في الوعي ولا يكفي فيها أن نوقف السلاح، بل أن نمنع الكراهية من أن تصبح نظامًا جديدًا للعلاقات بين السودانيين.
لقد تحدثنا عن الإسقاط النفسي، وعن شرعية الصوت، وعن المعرفة التي تنتقل مجتزأة من شخص إلى آخر. واليوم تتجمع الخيوط في سؤال واحد:
ماذا يحدث عندما تتحول المعلومة المجتزأة إلى صورة، والصورة إلى حكم، والحكم إلى كراهية؟ ، يحدث أن يصبح الآخر الذي لا نعرفه أكثر حضورًا في وعينا من الإنسان الذي نعرفه.
السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء ما هدمته الحرب، بل إلى إعادة بناء الصورة التي يحملها السوداني عن السوداني ، فإذا استطعنا أن نستعيد الإنسان من وراء الصورة، والثقة من وراء الخوف، والجسر من بين الركام، فربما نستعيد المورد الأهم الذي كادت الحرب أن تبدده:
> أن يرى السوداني السوداني… أهل وطن، لا أعداء جرى تعليمهم كيف يكرهون بعضهم.
وهنا بالضبط #أصل_القضية.
زووم الحوار السوداني
طرحت الكاتبة لبنى أحمد حسين فكرة مميزة، لماذا لا يبدأ الحوار السوداني عبر تقنية “زوو…





