‫الرئيسية‬ مقالات ماوراء الفيتو.. العنوان
مقالات - ‫‫‫‏‫14 دقيقة مضت‬

ماوراء الفيتو.. العنوان

د. عبدالناصر سلم حامد ــ باحث متخصص في شؤون شمال إفريقيا والسودان

وعندما يظهر النص الذي سيصل إلى التصويت، لن تكون القراءة الأدق في عنوان القرار، بل في الفقرات التي نجت من المساومة: ماذا بقي من المقترح المتعلق بالمسيّرات؟ ماذا حدث لقدرات فريق الخبراء؟ وكيف عولجت شبكات التمويل والإمداد؟

 

ثم تأتي حسابات الأصوات. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى تصويت روسيا والصين لمصلحة القرار. تحتاج إلى تسعة أصوات، وألا تستخدم أي دولة دائمة العضوية حق النقض. ومن ثم، قد يكون أحد السيناريوهات التي تسعى إليها واشنطن هو احتواء الاعتراض الروسي أو الصيني عند حدود الامتناع عن التصويت بدل استخدام الفيتو، مع تأمين الأغلبية المطلوبة.

 

لكن إذا لم تتوافر تسعة أصوات بسبب اعتراضات أوسع داخل المجلس، ومنها المواقف الأفريقية، فلن تكون هناك حاجة أصلًا إلى الفيتو.

 

وهنا يصبح ما وراء الفيتو أهم من الفيتو نفسه.

 

من يملك الأصوات التسعة؟ أي فقرة حُذفت؟ وأي فقرة بقيت؟ ومن انتقل من الرفض إلى الامتناع؟ هذه التفاصيل، أكثر من الخطابات التي ستقال في جلسة التصويت، ستكشف أين استقر ميزان القوى الحقيقي.

 

وحتى إذا لم ينجح التوسع الذي تريده واشنطن، فهذا لا يعني نهاية الفكرة. فالولايات المتحدة وشركاؤها يستطيعون استخدام عقوبات وطنية أو منسقة لاستهداف شركات ووسطاء وشبكات تمويل ونقل وتكنولوجيا خارج إطار مجلس الأمن. وقد يخسر المقترح الأمريكي، بهذا المعنى، كقرار أممي بينما تعيش فكرته كسياسة دولية أوسع.

 

شبكة الحرب وشبكة السلام

بالتوازي مع معركة العقوبات، يتحرك مسار دبلوماسي آخر. فخلال سبتمبر تعتزم بريطانيا والدنمارك عقد حوار تفاعلي غير رسمي بشأن السودان، في محاولة لإبقاء الملف السياسي حاضرًا بالتوازي مع نقاش العقوبات وتحسين التنسيق بين المبادرات المختلفة.

 

هناك الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، وهناك الخماسية التي تجمع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، إلى جانب تحركات المبعوث الشخصي للأمين العام، بيكا هافيستو، وقنوات أخرى في الإقليم.

 

السودان لا يعاني من نقص الوسطاء. ما ينقصه هو مركز ثقل يستطيع تحويل هذا العدد من المبادرات إلى ضغط سياسي يتحرك في اتجاه واحد.

 

وهنا تظهر مفارقة الحرب. أمام السودان شبكتان تعملان في اتجاهين متعاكسين: شبكة من الموردين والوسطاء والمال ومسارات النقل تساعد القتال على الاستمرار، وشبكة من الوسطاء والمبادرات الدولية والإقليمية تحاول وقفه.

 

وحتى الآن، تبدو شبكة الحرب أسرع في التكيف من شبكة السلام.

 

الأدوات موجودة. الأمم المتحدة تجمع المعلومات، وفريق الخبراء يتتبع الشبكات، والعقوبات تستطيع رفع التكلفة، والمبعوث يستطيع التفاوض، بينما تمتلك دول الإقليم أدوات نفوذ مباشرة لا تملكها المنظمة الدولية. المشكلة أن هذه الأدوات لا تعمل دائمًا كأجزاء من استراتيجية واحدة.

 

إذا كشفت المعلومة الشبكة، ورفعت العقوبات كلفة تشغيلها، وأدى الضغط إلى تغيير حسابات الأطراف، تستطيع الدبلوماسية أن تستفيد من ذلك. أما إذا بقي التحقيق في مكان، والعقوبات في مكان، والوساطة في مكان ثالث، فسيعرف المجتمع الدولي الكثير عن الحرب من دون أن يصبح بالضرورة أكثر قدرة على وقفها.

 

لهذا أيضًا لا تبدو منطقة الحظر الجوي هي الخطوة الأقرب. المقترح الأمريكي المعلن يتعلق بحظر السلاح والمسيّرات والتكنولوجيا المرتبطة بها، وليس بإغلاق المجال الجوي السوداني. والحظر الجوي يحتاج إلى مراقبة وإنفاذ وقواعد اشتباك واستعداد لاستخدام القوة؛ وهي شروط يصعب تصور التوافق عليها في مجلس مختلف أصلًا حول توسيع حظر السلاح.

 

المساحة الأكثر واقعية للتحرك تقع بين العقوبات والتدخل العسكري: المال، والتكنولوجيا، والشركات، والوسطاء، وطرق النقل، والمكونات مزدوجة الاستخدام، والدول التي تمر عبرها هذه الشبكات أو تستطيع التأثير فيها.

 

لن ينهي مجلس الأمن حرب السودان بقرار يصدر في سبتمبر. لكنه قد يكشف شيئًا أكثر أهمية عن الطريقة التي بدأ بها المجتمع الدولي يفهم هذه الحرب.

 

إذا بقيت تُعامل باعتبارها صراعًا داخليًا يحتاج إلى مزيد من الوساطة، فستظل أدوات التعامل معها محدودة. أما إذا ترسخت قراءتها باعتبارها حربًا تستند إلى شبكة تمويل وإمداد وتكنولوجيا عابرة للحدود، فإن السؤال نفسه سيتغير.

 

لن يكون فقط: كيف نوقف إطلاق النار؟

 

بل: كيف نجعل إعادة تشغيل الحرب أصعب من الاستمرار في التفاوض؟

 

وعندها لن يكون الاختبار الحقيقي ما إذا استخدمت روسيا أو الصين الفيتو. الاختبار هو ما إذا كان مجلس الأمن يستطيع تحويل ما يعرفه عن الحرب إلى ضغط، ثم تحويل هذا الضغط إلى فرصة سياسية.

 

فما سيظهر فوق طاولة مجلس الأمن في لحظة التصويت ليس سوى نهاية قصة أطول، جرت معظم فصولها بعيدًا عن الكاميرات.

 

وهذا هو ما وراء الفيتو.

‫شاهد أيضًا‬

مدير المخابرات العامة: الإعلام شريك أساسي في مواجهة التحديات التي تواجه السودان  

ثمّن مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل الدور الذي يضطلع به الإعلام ف…