‫الرئيسية‬ مقالات عندما تكون هوية الأبناء أغلى من الغربة.. تجربة أم تستحق التأمل
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

عندما تكون هوية الأبناء أغلى من الغربة.. تجربة أم تستحق التأمل

خواطر ابن فضل د. محمد فضل محمد

اطلعت على تجربة أم مسلمة متزوجة من رجل أوروبي مسلم، عاش أطفالها في إيرلندا وسط مجتمع تختلف ثقافته وعاداته ومناسباته الدينية والاجتماعية عن البيئة الإسلامية التي تريد أن ينشأ عليها أبناؤها. وما لفت انتباهي في تجربتها ليس انتقالها من بلد إلى آخر، وإنما السؤال الكبير الذي دفعها إلى اتخاذ قرارها: *في أي بيئة أريد أن يكبر أبنائي؟*

فزوجها مسلم، ولكن أسرته غير مسلمة، وهي تحترم اختلافهم ومعتقداتهم، غير أن الأمر أصبح أكثر تعقيدًا عندما كبر الأطفال وبدأوا يلاحظون الفوارق، ويسألون ويقارنون بين ما يتعلمونه داخل بيتهم وما يشاهدونه عند الأقارب والأصدقاء وفي المدرسة والمجتمع. وهنا أدركت الأم أن التربية ليست كلمات يقولها الوالدان داخل المنزل فحسب، وإنما هناك بيئة كاملة تشاركهما في تشكيل عقل الطفل ووجدانه وهويته.

 

*الأبناء أمانة*

 

هذه التجربة تعيدنا إلى أصل عظيم في الإسلام؛ فمسؤولية الوالدين لا تقف عند الطعام والملبس والتعليم والرفاهية، وإنما تتقدم عليها مسؤولية حفظ الدين والأخلاق والهوية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، وقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.

فالطفل لا يتلقى قيمه من والديه وحدهما؛ بل يتأثر بالمدرسة والأصدقاء والإعلام والأقارب وما يراه بصورة متكررة في حياته اليومية. ولهذا قال النبي ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» رواه أبو داود والترمذي. فإذا كان هذا أثر الصاحب، فكيف ببيئة كاملة يعيش فيها الطفل سنوات تكوينه؟

وهذا لا يعني أن كل طفل مسلم ينشأ في الغرب سيضيع، ولا أن كل طفل يعيش في بلد مسلم سيكون صالحًا بالضرورة؛ فالهداية بيد الله، والأسرة تتحمل مسؤوليتها أينما كانت. لكن الحكمة تقتضي ألا نستهين بأثر البيئة، وألا نتصور أن البيت قادر دائمًا بمفرده على مقاومة كل المؤثرات المحيطة بالأبناء.

 

*قرار يستحق الاحترام*

 

بحثت هذه الأم عن بيئة *أقرب إلى قيمها، وزارت أكثر من بلد وهي تسأل: هل هذه البيئة التي أريد أن يكبر فيها أبنائي؟ ثم اختارت المملكة العربية السعودية، واستقرت في الطائف لما وجدته من بيئة اجتماعية وتربوية أقرب إلى ما تنشده لأبنائها.*

ونِعمَ الاختيار؛ فالمملكة بما تمثله من بيئة إسلامية وما توفره من حاضنة اجتماعية تعين الأسرة على غرس القيم والمحافظة على الهوية، كانت خيارًا جديرًا بالتقدير. *ولم يكن قرار الأم هروبًا من إيرلندا أو انتقاصًا منها، فقد عبّرت عن محبتها لها، وإنما كان تقديمًا لمستقبل أبنائها وهويتهم.*

وقد لخّصت تجربتها بمعنى يستحق أن نتوقف عنده: العمل يمكن تعويضه، والمال يمكن تعويضه، ومكان الإقامة يمكن تغييره، لكن سنوات طفولة أبنائنا إذا مضت فلن نستطيع استعادتها.

 

*حين تصبح الخسارة أكبر من المال*

 

وهنا رسالتي إلى الأسر المسلمة التي تعيش خارج المجتمعات الإسلامية: لا تجعلوا الراتب والوظيفة ومستوى المعيشة وحدها معايير تقرير مستقبل الأسرة. فالمال وسيلة وليس غاية، وليس النجاح أن تترك لولدك حسابًا مصرفيًا كبيرًا ثم تكتشف أنك فقدت هويته وصلته بدينه.

*وقد وقفت على نماذج مؤلمة؛ ومنها ما نُقل لي عن أسرة سودانية مسلمة انتقلت إلى الولايات المتحدة، ثم تغير حال بعض أبنائها مع مرور السنوات، حتى اعتنق أحدهم النصرانية، وانصرف آخر عن دين أسرته إلى معتقد آخر. كما عانت أسر أخرى من ابتعاد أبنائها وبناتها عن الدين وانجراف بعضهم في سلوكيات تصطدم بقيم أسرهم، ثم وجد الآباء أن استعادة دورهم التربوي أصبحت أكثر صعوبة.* وقد جاء عن النبي ﷺ: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين»، رواه أبو داود والترمذي والنسائي. ولأهل العلم تفصيل في معنى الحديث وأحوال الإقامة، لكنه يلفت إلى معنى مهم: ألا تكون الدنيا سببًا في أن يضع المسلم نفسه وأسرته في بيئة يخشى فيها على دينه ودين أبنائه.

ومع ذلك، ليس من الإنصاف أن نعمم فنقول إن كل أسرة مسلمة تعيش في الغرب ستفقد أبناءها؛ فهناك أسر حافظت على دين أبنائها، وأحسنت تربيتهم، بل صنعت منهم نماذج مسلمة مؤثرة في مجتمعاتهم. والقضية في جوهرها قضية وعي وتخطيط ومتابعة وتعليم وصحبة صالحة وحضور قوي للأسرة.

نبنيهم ليؤثروا لا ليذوبوا

كما أن انتقال الأبناء إلى بيئة إسلامية في مرحلة تكوينهم لا يعني بالضرورة الانقطاع النهائي عن بلادهم الأصلية. فإذا نشأ الطفل عارفًا بدينه، معتزًا بهويته، فاهمًا لعقيدته، قادرًا على التعامل مع الاختلاف دون أن يذوب فيه، فقد يعود إلى وطنه أكثر ثباتًا وقدرة على التأثير الإيجابي.

ونحن لا نريد للمسلم أن يعيش خائفًا من المجتمعات الأخرى أو منعزلًا عنها، وإنما نريده أن يدخلها بعلم وإيمان ووعي، ثابتًا على دينه، حسن التعامل مع الناس، مؤثرًا لا ذائبًا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].

فالغاية أن نبني جيلًا يعرف دينه ويعتز بهويته، ثم ينفتح على الآخرين من موقع الثقة والوعي، فيمثل الإسلام بأخلاقه وسلوكه، ويسهم إيجابيًا في المجتمع الذي يعيش فيه.

 

*تجربة تستحق التأمل*

 

لهذا أقول لهذه الأم: هنيئًا لك هذا الوعي، وهنيئًا لك تقديم مستقبل أبنائك التربوي على كثير من المكاسب الدنيوية.

وليت كل أب وأم يسألان نفسيهما: ماذا يتعلم أبناؤنا من البيئة التي يعيشون فيها؟ من يصاحبون؟ ماذا يرون في مدارسهم؟ وما الذي يستقر في قلوبهم عن دينهم؟ وهل نبني في داخلهم مناعة إيمانية وفكرية، أم ننتظر حتى يكبروا ثم نفاجأ بأن ثقافة أخرى سبقتنا إليهم؟

ولا يعني ذلك العداء للمجتمعات غير المسلمة؛ فالإسلام يأمر بالعدل وحسن التعامل، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، لكن العدل مع الآخرين لا يعني التفريط في مسؤوليتنا تجاه هوية أبنائنا.

إن أعظم استثمار نقدمه لأبنائنا ليس منزلًا أكبر ولا حسابًا مصرفيًا أكثر، وإنما أن نعينهم – بعد توفيق الله – على معرفة ربهم والاعتزاز بدينهم والتمسك بأخلاقهم. فالمال إن ضاع يمكن تعويضه، والوظيفة يمكن أن نجد غيرها، لكن طفولة أبنائنا إذا مضت لا تعود.

وتجربة هذه الأم ليست وصفة ملزمة لكل أسرة، لكنها جرس تنبيه لكل والد ووالدة: قبل أن تسألوا أين تكون معيشتنا أفضل، اسألوا أيضًا: أين وكيف نحفظ دين أبنائنا ونبني هويتهم؟

فالأبناء ليسوا جزءًا من الرحلة فحسب؛ إنهم رأس مالها الحقيقي.

‫شاهد أيضًا‬

الكودة …وحسد البشر…!!

اعيد نشر هذا الوهج اليوم تحديدا لتأكيد ان الناجحين لا يمكن عرقلة طريقهم علي مسار تحقيق الا…