‫الرئيسية‬ مقالات تقى النور… حين يزهر التفوق في وجه المحنة
مقالات - ‫‫‫‏‫8 دقائق مضت‬

تقى النور… حين يزهر التفوق في وجه المحنة

عبد الكريم ابراهيم

التعليم ليس قاعاتٍ تتجاور فيها المقاعد ، ولا كتبٍ تُفتح وتُغلق ، ولا مناهج تُحفظ ثم تُنسى ، إنما هو النور الذي يشق عتمة الجهل ، والجسر الذي تعبر عليه الأمم من ضفة الواقع إلى آفاق المستقبل ، به تُبنى العقول ، وتتهذب النفوس ، وتُكتسب المهارات ، وتُصنع الأجيال القادرة على حمل أمانة الوطن والنهوض به .

ولهذا ظل التعليم ، وسيظل ، أحد أعمدة نهضة الأمم وأوثق استثماراتها في المستقبل ، فالأوطان لا تُبنى بالموارد وحدها ، وإنما بالعقول التي تعرف كيف تصونها وتستثمرها ، وبالأجيال التي تمتلك العلم والإرادة والأمل

ومع إعلان نتائج امتحانات الشهادة السودانية لهذا العام 2026م ، عاشت الأسر السودانية مزيجاً فريداً من القلق والرجاء والفرح ، فقد جاء هذا الاستحقاق في عام استثنائي ، وفي ظروف لم تكن عادية بأي حال عامٌ واعوام أثقلت الحرب فيها كاهل الناس ، وضاقت فيه سبل العيش ، وتشردت أسر ، وتفرقت أخرى ، ومع ذلك ظل أبناؤنا وبناتنا يتمسكون بالعلم ، وكأنهم يقولون للحرب : (لن نسمح لكِ أن تطفئي آخر مصابيح المستقبل) .

ومن هنا ، فإن إعلان النتيجة ليس كشفٍ للدرجات ، وإنما لحظة وطنية وإنسانية تنتظرها ملايين الأسر ، وقطاف سنوات من السهر والصبر والدعاء .

لكن ، وسط هذه الفرحة ، يظل من حقنا أن نطرح الأسئلة ، فكيف أن الاستعلام عن النتيجة يتم عبر رسالة نصية تبلغ كلفتها ثمانية آلاف جنيه سوداني؟ ، فإن الأمر يستحق وقفة جادة من شركات الاتصالات ومن وزارة التربية والتعليم على السواء ، فما قد يبدو رقماً يسيراً في حسابات الشركات وبعض القادرين على السداد ، قد يمثل عبئاً حقيقياً على أسرة أنهكتها الحرب وارتفاع الأسعار وضيق ذات اليد ، خصوصاً إذا كان في الأسرة أكثر من طالب ينتظر نتيجةً طال ترقبها ، ونتيجة الشهادة السودانية ليست خدمة تجارية عابرة ، وفرحة النجاح ليست سلعة ، إنها ثمرة تعب أبنائنا ، وقلق آبائهم وأمهاتهم ، وعرق معلميهم ، وانتظار أسرٍ كثيرة علّقت على هذه اللحظة أحلاماً كبيرة ، ولذلك ينبغي أن تصل النتيجة إلى الطالب حيث هو ، بأيسر السبل وأقل تكلفة ممكنة ، بل إننا نرى أن إتاحتها مجاناً ستكون موقفاً وطنياً وإنسانياً يليق بهذه المناسبة ، ومن هنا ، فإن شركات الاتصالات ، وفي مقدمتها زين وسوداني واريبا ، مدعوة إلى أن تجعل من هذه المناسبة باباً واسعاً للمسؤولية المجتمعية ، فتتيح الاستعلام عن النتائج مجاناً ، أو برسوم رمزية للغاية تقديراً للطلاب وأسرهم ، ومراعاة للظروف القاسية التي تمر بها البلاد كما دعا لذلك الأخ الأستاذ محمد عبد القادر حسن الفكي .

أما الدور الأكبر فيقع على عاتق وزارة التربية والتعليم التي نأمل أن تجعل من هذه التجربة دافعاً لإنشاء منصة وطنية إلكترونية رسمية ، مجانية ودائمة ، لنتائج الشهادة السودانية ، بحيث يستطيع الطالب وولي أمره الوصول إلى النتيجة بصورة مباشرة وموثوقة ، دون الحاجة إلى دفع رسوم لكل استعلام . فمثل هذه المنصة ليست ترفاً تقنياً ، وإنما خدمة تعليمية أساسية ، وصورة من صور المسؤولية الوطنية ، فضلاً عن أنها تخفف الضغط على شبكات الاتصالات ، وتمنح الطلاب وأسرهم حقاً طبيعياً في الوصول إلى ثمرة جهدهم دون عناء إضافي.

وفي خضم هذه المناسبة ، تبرز أمامنا حكاية تستحق أن تُروى ، لأنها تختصر كثيراً من معنى الصمود السوداني الجميل.

إنها حكاية الطالبة النجيبة تقى النور ، من مدارس د.أبوذر الكودة ومدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة بمصر ، التي أحرزت المرتبة الأولى بنسبة 97.7% في امتحانات الشهادة السودانية للعام 2026.

فهنيئاً لتقى هذا التفوق الباهر ، وهنيئاً لأسرتها الكريمة ، ولمعلميها ومعلماتها ولمدرستها التي كان لها نصيب مقدر في صناعة هذا النجاح .

غير أن فرحتنا بتقى ليست فرحةً عابرة ، فاسمها يحمل بالنسبة لنا معنى خاصاً ، إذ تحمل اسم ابنة أخي الأستاذ تقى عبد المنعم إبراهيم ، ولذلك أحسب أن النجاح قد صادف أهله ، وأرجو أن تفرحنا (الأخيرة) كما عودتنا ، بإذن الله ، كذلك بنجاح باهر في امتحانات الشهادة المتوسطة القادمة بمشيئة الله تعالى ، كما أفرحتنا قبل سنوات خلت بتفوقها في امتحانات المرحلة الابتدائية بولاية نهر النيل .

وما أجمل أن يأتي التفوق من قلب المحنة ، فوراء هذه النسبة المشرقة قصة أسرة سودانية عاشت ، مثل غيرها من آلاف الأسر ، قسوة الحرب ومرارة النزوح وشظف العيش ، لكنها لم تسمح للمحنة أن تنتزع من أبنائها حقهم في الحلم ، ولم تجعل من الحرب ذريعةً للتخلي عن العلم ،

ولهذا فإن 97.7% ليس نسبة في كشف نتائج ، إنها شهادة أخرى ، أعمق من شهادة الامتحان نفسها ، تقول إن الإنسان يستطيع أن يزرع الأمل حتى في الأرض التي مرّت عليها الحرب ، وأن العلم قادر على أن يزهر في أكثر الظروف قسوة .

تقى النور… لم تنجح في الامتحان فحسب ، وإنما نجحت في امتحان الظروف ، وهنا تكمن قيمة التفوق الحقيقي .

تحية من القلب لكل أبنائنا وبناتنا الذين جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية هذا العام ، في الداخل والخارج ، وفي المدن ومواقع النزوح ، ولكل من حمل كتابه وسط العاصفة ، وتمسك بحقه في المستقبل رغم كل ما حوله من وجع .

نبارك للناجحين ، ونسأل الله أن يجعل نجاحهم بداية طريق أوسع من الطموح والإنجاز ، ونهنئ الآباء والأمهات الذين عاشوا معهم تفاصيل الرحلة ، وتقاسموا معهم القلق والسهر والدعاء ، ونحيي المعلمين والمعلمات الذين ظلوا يحملون رسالة التعليم في أصعب الظروف.

كما نبارك للمدارس التي حققت نتائج مشرفة ، ونحيي كل من أسهم في استمرار العملية التعليمية والامتحانات رغم الحرب وتداعياتها.

أما الذين لم يحالفهم التوفيق ، فنقول لهم ، لم يخسر الطريق من تعثر في خطوة ، ولم تُغلق أبواب المستقبل أمام من تأخر نجاحه ، التعثر محطة ، وليس نهاية الرحلة ، وما أكثر الذين بدأت أعظم نجاحاتهم من لحظة ظنوا فيها أن كل شيء قد انتهى ، فليجعلوا من التجربة سلّماً للصعود ، ومن التعثر دافعاً للمضي قدماً ، وبإذن الله يأتي النجاح في موعده المنشود .

وفي هذه المناسبة ، أجد من الوفاء والاعتزاز أن أستحضر تجربة عزيزة على نفسي ، فقد كان لي شرف العمل ، في فترة سابقة ، من داخل رئاسة وزارة التربية والتعليم الاتحادية ، ومن داخل كنترول الشهادة السودانية وسكرتاريتها ، بل والمشاركة في إجراءات استخراج الشهادة نفسها ، وهي تجربة أعتز بها كثيراً ، لأنها أتاحت لي أن أرى عن قرب حجم الجهد الذي يُبذل بعيداً عن أعين الناس ، وأن أدرك أن وراء الورقة التي تحمل نتيجة الطالب جيشاً من العاملين الذين يسهرون ويتعبون ويدققون ويحرصون على أن يصل كل طالب إلى حقه.

ومن باب الوفاء ، أترحم هناء على وزير التربية والتعليم السابق د.محمود سر الختم الحوري ، وعلى سكرتير امتحانات السودان في ذلك الوقت الذهبي الجميل الأستاذ القامة أمين خضر الزين ، ونائبه وقتها الأستاذ محمد حسن قرناص ، ومولانا محمد عبد الرسول ، والأستاذ علي النور ، عم الصديق العزيز إيهاب حسين النور ، طيب الله ثراهم وعلى كل من رحل من تلك الإدارة الظافرة ممن لم تسعفني الذاكرة الآن في استحضار أسمائهم ، رحمهم الله جميعاً ، وجزاهم عن التعليم وأبنائه خير الجزاء .

كما أحيي الأحياء منهم ، وكل الذين سكبوا العرق ، وحملوا الأمانة ، وواصلوا الليل بالنهار حتى خرج هذا العمل إلى النور ، رغم تعقيدات الحرب وظروفها الاستثنائية .

والتحية كذلك لوزير التربية والتعليم الحالي د. التهامي حجر ووكيل الوزارة د. احمد خليفة عمر وللأستاذ معتصم علي الشيخ مدير الإدارة العامة للقياس والتقويم والإمتحانات ، وللأستاذ خالد علي عثمان مدير الإدارة ولكل العاملين في الإدارة و الوزارة ، ولأولئك الجنود المجهولين الذين يعملون خلف الكواليس ولا تظهر أسماؤهم في لحظة إعلان النتيجة ، وللأجهزة النظامية المختلفة ، والولايات ، وسفارات السودان في الخارج، وكل من أسهم في إنجاح هذا العمل الوطني الكبير .

إن مجرد وصول الامتحانات إلى هذه المرحلة في ظل هذه الحرب ، ثم إعلان نتائجها ، يمثل في حد ذاته جهداً يستحق التقدير ، ويؤكد أن هناك مؤسسات وأفراداً ما زالوا يؤمنون بأن عجلة الحياة يجب أن تستمر، وأن الحرب مهما استطالت لا ينبغي أن تنتصر على مستقبل أبنائنا.

مبروك لأبنائنا وبناتنا الناجحين…

ومبروك لتقى النور مرة أخرى هذا التفوق الباهر ، ومنها إلى الأعلى بإذن الله ، ومن نجاح إلى نجاح ، ومن فرح إلى فرح ، ولأسرتها الكريمة ، ولمعلميها ومعلماتها، ولمدرستها ، وكل من وقف خلف هذا الإنجاز ، خالص التهاني وصادق الفخر .

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به أن نقول:

حين تضيق الحياة ، قد يتسع الحلم… وحين تشتد المحنة ،قد يزهر التفوق.

وتقى النور واحدة من تلك الزهور التي أطلّت علينا من بين ركام المحنة ، لتقول لنا جميعاً :

ما دام في السودان طالب يحمل كتاباً ، فثمة مستقبل لم يمت .

‫شاهد أيضًا‬

البرهان للإعلاميين السودانيين: ملتزمون بتنفيذ مخرجات الحوار التي تصب في صالح الشعب السوداني

أكد السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان التزام الدولة بتن…