‫الرئيسية‬ مقالات عبقرية مكبلة.. نحو ثورة شاملة في المناهج السودانية على هدي التجارب العربية
مقالات - ‫‫‫‏‫يوم واحد مضت‬

عبقرية مكبلة.. نحو ثورة شاملة في المناهج السودانية على هدي التجارب العربية

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

لا شك أن إنسان السودان يحمل في طياته فطرة ذكية واستعداداً استثنائياً للفهم والتحصيل العلمي، يشهد به القاصي والداني في محيطه الإقليمي والدولي. غير أن هذا الذكاء الفطري والنبوع المتأصل يتعرضان عبر العقود لتجريف ممنهج وقوالب جامدة تحبس طاقات الشباب داخل أطر بالية من التلقين الأعمى والتحفظ النظري. إن قضية التعليم الثانوي في السودان لم تعد مجرد ترف فكري أو نقاش عابر، بل أصبحت مسألة وجود وتحدي بقاء في عالم يتسارع بقوة الهائل التقني وثورة الذكاء الاصطناعي واقتصاديات المعرفة. وحين نضع النظام التعليمي السوداني الحالي تحت مجهر المقارنة الموضوعية مع الأنظمة الإقليمية المجاورة، مثل جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، يكشف لنا بوضوح حجم الهوة السحيقة التي تفصلنا عن ركب العصر، مما يحتم علينا الانتقال الجريء والواعي من المنهج الحالي إلى منهج ثانوي عالمي مرن وعملي.
تقوم الفلسفة التربوية الحديثة عالمياً على غاية مركزية واحدة لا غبار عليها، وهي: إنتاج مواطن صالح، مفكر، قادر على الإنتاج، وفاعل في إدارة موارد بلاده وتطوير مجتمعه. أما المنهج السوداني الحالي، يفتقر بكل أسف إلى هذه البوصلة التنموية، إذ يعتمد في جوهره على الحفظ الآلي واجترار النصوص دون القدرة على التطبيق العملي في الواقع الاقتصادي أو التقني المتسارع. والنتيجة الحتمية لهذه الهيكلة القاصرة هي تخريج أجيال عاجزة عن امتلاك مهارات القرن الحادي عشرين الحقيقية.
وما يزيد الطين بلة هو فلسفة “المادة المقصلة” أو ما يُعرف شعبياً بـ”سواقة الخلا”، حيث تتحول مادة دراسية واحدة، لا سيما قواعد النحو المعقدة والشواهد البلاغية الجافة، إلى أداة إقصاء جماعي تحطم مستقبل الطالب وتضيع عامه الدراسي بأكمله لمجرد عجزه عن فك طلاسم إعرابية تخصصية. في المقابل، نجد أن الأنظمة التعليمية المجاورة قد تجاوزت هذه العقلية المتحجرة منذ أمد بعيد. ففي جمهورية مصر العربية، يعتمد نظام الثانوية العامة على مجموع كلي تراكمي موزون، وتبقى اللغة العربية مادة أساسية تضاف للمجموع، غير أن التعثر فيها لا يترتب عليه إطلاقاً رسوب الطالب في الشهادة كلها وضياع سنته الدراسية سدى. أما في المملكة العربية السعودية، فقد أُلغيت فكرة المادة الواحدة التي تسقط العام تماماً، ليحل محلها نظام المعدل التراكمي (GPA) ونظام الساعات المحسوبة الشبيه بالنظام الجامعي، حيث يتركز تقييم الطالب في المسارات العلمية والتقنية أو الصحية على مواده التخصصية واللغة الإنجليزية، بينما تُدرس اللغة العربية كفاءة وتواصل، مع ضمان ألا يلغي الرسوب في مقرر فرعي بقية مقررات النجاح.
غالباً ما يبرر المتمسكون بالنظام الحالي بقاءهم في شرنقة المناهج التقليدية بحجج عاطفية ترتبط بحماية الهوية العربية ولغة القرآن الكريم. وهنا تبرز مفارقة عجيبة وقمة الوهم في خلط الأوراق بين الدرجة الأكاديمية وتقدس الدين والعروبة. إننا حين ننتقد جمود المنهج النحوي وجفاف طرائقه، فإننا لا ننقص من قدر القرآن الكريم بلسانه العربي المبين شيئاً؛ فالاعتزاز بالدين واللغة هو أمر إيماني وروحي راسخ. بيد أن إعراب الأبيات المعقدة وبحور العروض في قاعات الامتحان يظل مهارة أكاديمية تخصصية بحتة، وليس شرطاً لصلاح الدين أو معياراً للوطنية الحقة.
ولعل البرهان الساطع على تهافت هذه الحجج يأتي من المملكة العربية السعودية ذاتها؛ فهي مهد العرب ومنبع الرسالة المحمدية، ومع ذلك أدركت قيادتها الرشيدة مبكراً أن لغة العلم، والطب، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الحديث هي اللغة الإنجليزية. ونتيجة لذلك، جعلت السعودية ومن خلفها دول الخليج العربي كالإمارات وقطر، الإنجليزية لغة التدريس الأساسية للتخصصات العلمية في الجامعات، وتحولت اللغة العربية لديهم إلى لغة هوية وثقافة وآداب رفيعة، دون أن تكون عائقاً أمام التطور التقني أو البحث العلمي. فهل نحن في السودان أكثر عروبة وحرصاً على اللغة من منبعها الأصيل؟ إن التمسك بمنهج يحبس عقول الطلاب في قوالب الحفظ تحت دعاوى زائفة لا يخدم سوى تأبيد التخلف المعرفي.
إن الطالب السوداني، بتاريخه المشرف وقدراته الذهنية العالية، يمتلك مرونة استيعاب فطرية مذهلة تفوق نظراءه في كثير من الأحيان. غير أن الفارق الجوهري يظهر جلياً بعد التخرج؛ للطالب المصري أو السعودي، بفضل مرونة مناهجهم وتطورها المستمر وتركيزها على تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداعي وخارج الأطر التقليدية، يتقدم بخطوات واسعة في مجالاته العملية والبحثية والمهنية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
لذلك كله، فإن استمرار الوضع الراهن يعد جريمة بحق الأجيال القادمة. إن السودان يستحق نظاماً تعليمياً مرناً وعملياً يحرر عبقرية شبابه، وينقلها من عصر التلقين إلى فضاءات الابتكار والتقنية الحديثة. ولا بد أن ندرك بعمق أن الهوية السودانية الشاملة وغناها الثقافي لا يمكن اختزالها في مسار تعليمي واحد مقصي، كما أن التعليم الرصين لا يمكن بحال تحجيمه في ورقة تعبير أو قالب إعرابي ضيق. إن مراجعة المنهج السوداني الثانوي والارتقاء به إلى مصاف الأنظمة العالمية، والاستفادة من خبرات النظم المجاورة، هو الاستثمار الإستراتيجى الأوحد لإنقاذ مستقبل الوطن وصناعة جدير بإدارة مواردها بكفاءة واقتدار.

‫شاهد أيضًا‬

(الشهادة السودانية)..أكثر من شهادة!

برغم الأحداث والمُنقِصات وجدت نفسي منحازا للمشهد في محاولة لمقاومة تأثيرات التباعد والأخبا…