محمد النصري..«سلامات وين نزل محياك »
رحمة عبدالمنعم

لم يكن مستغرباً أن تتصدر صورة الفنان الوطني محمد النصري مع رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، إبان زيارته إلى منطقة أمري بالولاية الشمالية اهتمام السودانيين، ولا أن تثير حفيظة غرف القحاتة والجنجويد التي انطلقت سهامها صوب الفنان الجميل، حتى قبل أن يتحدث عن فصله من القوات المسلحة بسبب عدم مشاركته في الثورة.
ولعل هؤلاء لا يدركون أن محمد النصري فنان رسالة وموقف، لا يحتاج إلى شهادة وطنية من أحد، ويكفيه موقفه المشرف من معركة الكرامة، وانحيازه لوطنه في محنته الكبرى، فالفنان الذي يسكن وجدان شعبه لا تستطيع حملات الإساءة أن تنتزع مكانته من القلوب، ولا أن تطفئ جذوة الإبداع التي أوقدها عبر سنوات من العطاء.
محمد النصري تجربة فنية استثنائية، وصاحب واحدة من أضخم القواعد الجماهيرية التي عرفتها ساحة الغناء لجيل من الفنانين الشباب. «غرد يا كنار دق الوتر يا شادي»،فقد حمل الطمبور من ضفاف النيل وجروف الشمال إلى رحابة الوطن الفسيح، وحرر أغنيته من حدود المناطقية الضيقة، وسار على درب العظماء صديق أحمد والنعام آدم ويعقوب تاج السر، وأضاف إليها من روحه وإحساسه حتى أصبحت الجماهير تنتظر جديده وتردد: «انت لاتكتر غيابك تاني شان مايبقى عادي».
وقد تغنى النصري لكبار الشعراء، من حميد وعاطف خيري وأزهري وشقوري وخالد الباشا، غير أن علاقته بالشاعر الراحل محمد الحسن سالم حميد تظل فصلاً بديعاً من فصول الوفاء والإبداع،فقد كان حميد بالنسبة إليه أكثر من شاعر يكتب القصيدة، وكان النصري بالنسبة إلى حميد أكثر من حنجرة تؤديها.
ومن هذا التلاقي ولدت روائع «ست الدار» و«بت العرب النوبية» و«يا أمنا» و«سوقني معاك ياحمام»، تلك الأغنية التي حملت حنين الأرض وأشواق الحبيبة وأحلام السلام، ونسج فيها حميد من مفردات الريف السوداني وطناً جميلاً تتعانق فيه المحبة والحرية:«ﺳﻮﻗﻨﻲ ﻣﻌﺎﻙ ﻳﺎﻟﺤﻤﺎﻡ..ﺳﻮﻗﻨﻲ ﻣﺤﻞ ﻣﺎ ﺍﻟﺤﺒﻴﺒﺔ ﻗﺮﻳﺒﺔ ﺗﺮﺍﻋﻲ ﺍﻟﻐﺮﺍﻡ..ﻏﺮﻳﺒﺔ ﺍﻷﺷﻮﺍﻕ حبيبا..يجيبا ﻣﻨﺎﻡ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻡ..ﺳﻮﻗﻨﻲ ﻣﺤﻞ ﻣﺎ ﺍﻟﻤﺤﻨﺔ..و ﺃﻳﺎﺩﻱ ﺗﻘﻄﺮ ﺳﻼﻡ
ﺳﻤﺎﺣﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻓﻮﻕ ﺃﻫﻠﻨﺎ..ﻭ ﺑﻼﺩﻱ ﺗﻘﺮﻗﺮ ﻭﺋام..»
وللأغنية حكاية طريفة إذ يُروى أن خلافاً حول القصيدة بلغ ردهات المحاكم، وامتد إلى قطيعة بين حميد وأحدهم، حتى بادره الرجل خارج قاعة المحكمة قائلاً: السلام عليكم، فرد حميد ببديهته الساخرة: «وعليكم الحمام»..هكذا كان حميد، شاعر الغبش والتعابى، الذي افتقدته البلاد وافتقد النصري رفقته. وكما قالت الشاعرة عفراء فتح الرحمن في رثائه:«إذا صبح البلد حميد فلاجرح الوطن نازف ولا الفقرا البتاتوا حداك رغيفم وحلمهم ناشف.. بلاك ضل الشدر حميد.. بلاك موية المطر حميد بذور الواطة ياحميد ..طلوع الفجر ياحميد ..بلاك كل السمح ماسخ ونوري حزيني تنهد ليك».
فقد كان حميد صوت الأرض والفقراء، وكانت قصائده في حنجرة النصري تمنح الأغنية السودانية عمقها الإنساني والوطني،ولا أجد في مقام الحزن الكبير على رحيله أبلغ من أن أردد: «ياريتو كان حميد شديد كان غز حروفو على الرصيف كان ترع الساحات قصيد».
وفي أغنيات النصري يتجلى الوطن بكل جراحه وأحلامه، وطناً لا تحجبه المسافات ولا تطفئ محبته المحن: «بلداً قدر ما تطوف عينك قدر ماتشوف.. بي حلوها تريدا، بي مرها تريدا»وحين يغني للوطن، تهب رياح الشوق من ضفاف النيل، وتنهض في الذاكرة صورة الأرض المبتلة بالمطر:«وطن جيت المِطور للطين نجِيهو وتصدق الأشواق.. نُطلق هَمبريب الحِن على لفح النوى الحُرّاق.. وفي وش الطراوة دحين منو البطبل سماك بأطواق»..
وفي «ست الدار» تطل الخرطوم بكل سحناتها وتنوعها، مدينة تسع الجميع، وتتسع في وجدان شاعرها ومغنيها حتى تصبح رمزاً للسودان كله:«يا خرطوم وينك وينك.. يا خرطوم شن شبّ وقلبك وسلبك.. حلبك؟ زنجك؟ بجتك؟ نوبتك؟ عربك؟.. أنا مأزوم.. مأزوم.. مأزوم.. يا خرطوم».
وليس النصري من الفنانين الذين تلوثهم الأجندات أو تستدرجهم المنابر السياسية العابرة، لقد غنى للوطن وللعامل،، وللإنسان البسيط، وانتقد الظلم والواقع السياسي بأغنيات ظلت شاهدة على استقلال تجربته وصدق رسالته،ويكفي أن نستعيد صوته وهو يغني:«يد العامل هي العاد تنتج مو المكنات الأمريكية..زيت العامل ياهو البطلع ..مو المكنات الأمريكية وسكن الأيدي العمالية انضف من لسنات الفجرةومن كرفتة البنك الدولي ..وكل وجوه الراسمالية».
وهو الصوت الذي غنى أيضاً:«مافي فرق في الوطن الراهن بين واشنطون والخرطوم». ومن أراد أن يعرف النصري وموقفه من الوطن والسلطة والسياسة، فليستمع إليه وهو يردد:«يا وطن من قُمــت تِجـتر..مُر تلاته علي التوالي..مرة احزاب مرةعسّــكر..ويفّصِـلِن حُــكُــم ٳنتقالي..الوطن ي عابرة اغلى..مهما تبقى العيشي غالي..وانا ماني دايرك تبقي ذكــرة..حاولي من فضلك تعالي».
فأي شهادة يحتاجها فنان غنى للوطن بهذه الحرقة، ولامس أوجاع الناس بهذه الصراحة؟ وأي تعريف أجمل بالانتماء من قوله: «من كنّاك ما خنّاك لا فينا الضلالي العاق»؟..وهو، فوق ذلك، ابن بلد أصيل، خرج من أرض مروي ونوري وشبا وجبل البركل العظيم، وتشرب روح الشمال والنيل والنخيل، حتى كأن الطمبور في يديه امتداد لجذور النخيل، وكأن صوته بعض من هدير النيل: «من نيلنا وقت النيل يفيض من شووقنا ساعة الشوق مطر».
تجده بين أهله يساهم في بناء مدرسة، أو يعاود مريضاً، أو يغني دعماً لمبادرة إنسانية، بعيداً عن ضجيج الادعاء واستعراض المواقف، وما أجمل أن نستحضر في هذا المقام تلك الكلمات التي تشبه سيرته:«يا زول جميـــــل لمتين علي خاطرك تشيل
مع انو زرعك ما بقـــــــــوم لساك بتزرع في الجميل..يا زول حنين للناس وفاك شان انت في طبعك نبيل..عندك كرامتك اهم شي وما بت بقي لي قلب ذليل..زي القمر تنشره نــــــــور يوم تبقي كل الدنيا ليل».
وتجده أيضاً عاشقاً للمريخ، يرتدي فنيلته في تمرين نادي شبا، وهو المريخابي الذي تمنيناه هلالياً، لكنه ظل وفياً لعشقه الأحمر، مردداً: «يا مريخنا يا مالك زمام إحساسنا .يا الطالع دوام ونازل مع أنفاسنا».
وليت الذين يهاجمون النصري جلسوا قليلاً ليستمعوا إلى «النحنا البينا بينا وبين بينا المستحيل»، أو تأملوا «كلهن احتمالين يا شقا يا شقا»، أو أصغوا إلى رائعة «سكة رحيل»،وتصفحوا قصائد «العابرات» للمبدع محمد أحمد الحبيب، أو رددوا معه «يوم جهجهك صوت الرعد برق الخريف ما وجهك»،لعلهم عندئذ يدركون أن هذا الفنان أكبر من أن تختصر تجربته في صورة أو موقف سياسي عابر.
يا «ود النصري» دعك من هؤلاء الرجرجة والدهماء، وامضِ في دروب الفن والألق والإبداع. فإن الذين عرفوك من خلال صوتك ومواقفك وتواضعك ومحبتك لأهلك لا تبدل قناعاتهم حملات الإساءة، ولا تنال من تقديرهم لك صورة أشعلت غضب خصومك.
سيبقى صوت الطمبور أعلى من الضجيج، وستبقى الأغنية الجميلة أطول عمراً من الخصومات السياسية، وقريباً بإذن الله نلتقي في مسارح الخرطوم، التي بدات تستعيدعافيتها، وتضاء خشباتها، وتعود الجماهير إلى مقاعد الفرح، ونردد معك:«سلامات وين نزل محياك..تحياتنا وأمانينا ..أكيد باكر تجي ونلقاك قمر باهر أماسينا ..»
والفن الأصيل لا تهزمه العواصف، ومحمد النصري صوت يعرف طريقه إلى قلوب السودانيين، مهما اشتدت الرياح. وحين يطل على جماهيره من جديد، ستظل الحناجر تهتف، والقلوب تخفق، والطمبور يبوح بما عجزت عنه الكلمات:«دا ما القلب البجرسو شوق».
جامعة أم درمان الإسلامية تتحرك لحسم أزمة الصرف الصحي بالداخليات وعودة الطلاب قبل نهاية أكتوبر
في إطار الاهتمام المتواصل بقضايا الطلاب، والحرص على تهيئة البيئة السكنية الملائمة لهم، وتع…





