محيتك لا تمحو عابرة وست الدار.. والنصري ملكٌ للوطن وجمهوره!
زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة

في السودان ، لم تعد الدهشة في أن يختلف الناس ، بل في أن بعضهم يريد للبلاد أن تتحول إلى حوش كبير ، يقف على بابه حراس صمود ، يفتشون قلوب الداخلين ، ويصادرون بطاقات الوطنية من كل من لم يردد الهتاف المطلوب، حرية سلام وعدالة مدنية خيار الشعب ، فإن صفقتَ لهم فأنت ثائر أصيل ، وإن وقفتَ مع الجيش فأنت متهم أمام محكمة النشطاء ، وإن ظهر فنان إلى جوار البرهان او أيًا من قادة الحيش ، قامت القيامة ، وكأن الرجل دخل معسكراً للعدو ، لا مشهداً في وطنه الذي يتنازع الجميع ادعاء حبه ، وفي بلدٍ أرهقته الحرب ، وشرّدت المليشيا أهله ، يبدو أن بعض الساسة لا تزال تشغلهم هوية المصفقين أكثر من مصير المشرّدين ، ويؤرقهم موقف النصري أكثر مما تؤرقهم أسئلة المواطن الذي فقد بيته ، فهنا حتى الوطنية يريدونها بالحجز المسبق ، والتصفيق لا يُقبل إلا إذا جاء في الاتجاه الذي يريدون ، يبدو أن جماعة صمود تريد من السودانيين أن يستأذنوها قبل أن يحبوا وطنهم ، وأن يحصلوا على تأشيرة مرور من منصاتها السياسية قبل أن يقفوا مع جيش بلادهم ، فمن يصفق لها فهو وطني وثائر ، ومن يختلف معها فهو متهم ، حتى لو كان موقفه تعبيراً عن انحياز واضح للوطن والجيش ،
ظهور النصري في أَمَرِي إلى جانب البرهان أزعج صمود ، وأفسد عليها نشوة الوصاية على مواقف الآخرين ، وكأن الرجل ارتكب جريمة لمجرد أنه وقف في مشهد لا يتوافق مع رغباتها ، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ، هل صار الوقوف مع الجيش جريمة تستوجب الاعتذار؟ ، وهل أصبح السودانيون مطالبين بأخذ موافقة صمود قبل أن يعلنوا انحيازهم إلى وطنهم؟ ، المفارقة أن صمود ، التي تنتقد النصري بسبب موقفه ، تواجه هي نفسها أسئلة ثقيلة بشأن موقفها من المليشيا وعلاقاتها السياسية بالخارج ، لا سيما الإمارات التي ثبت وبالدليل القاطع دعمها للمليشيا ، فهذه ليست تفاصيل هامشية يمكن القفز فوقها بخطاب سياسي يجمل وجه المليشيا وراعيها ، بل أسئلة تتصل بدماء السودانيين وتهجيرهم وتدمير بيوتهم واغتصاب حرائرهم وسبي بعضهن ، أسئلة تستحق إجابات واضحة لا مراوغة فيها .
فالمواطن الذي أُخرج من داره ، والذي شاهد المليشيا تقتل وتنهب وتنتهك الحرمات ، ليس معنياً بالأسماء البراقة للتحالفات السياسية ، ولا بالشعارات التي تُرفع في الفنادق البعيدة عن جحيم الحرب ، إنه يريد موقفاً واضحاً من قتل السودانيين وتشريدهم ، ومن الجهات التي تمد الحرب بأسباب استمرارها ، ومن كل قوة سياسية تقدم حساباتها على آلام شعبها ، فأي خطاب سياسي لا يضع مأساة المواطن السوداني في مقدمة أولوياته سيظل عرضة للمساءلة ، مهما ارتدى من ثياب الثورة والمدنية ، أما النصري فهو ليس ملكاً لصمود ، ولا فناناً يحمل في جيبه بطاقة حزب بعينه ، ولا مطلوباً منه أن يؤدي فروض الولاء لأي جماعة سياسية ، النصري ملك لجمهوره السوداني بمختلف انتماءاته ، ومن حقه أن يقف حيث تمليه عليه قناعته الوطنية الراسخة ، من دون أن يستأذن أصحاب المنصات أو ينتظر شهادة وطنية من نشطائهم ، ولو أن النصري ظهر في صف صمود ، مصفقاً لشعاراتها ومردداً خطابها ، لربما نصبوه بطلاً ، وأغرقوه بألقاب الوطنية والثورية ، وربما جعلوا من موقفه فتحاً سياسياً جديداً ، لكنه حين وقف إلى جانب البرهان في مشهد يرتبط بالجيش ، انقلبت الحكاية والآية ، وثارت عليه أقلام صحفيي صمود ونشطائها ، وهنا تتجلى ازدواجية المعايير ، الوطنية عند هؤلاء تبدو أحياناً مرتبطة بجهة التصفيق ، لا بمضمون الموقف .
ولعل أكثر المشاهد إثارة للسخرية في هذه الواقعة ، موقف الصحفية صباح محمد الحسن ، التي لم تكتفِ بانتقاد النصري لأنه لم ينحز إلى الثورة التي تؤيدها صمود ، بل أعلنت سحب قصيدتها «محيتك» منه ، ومنعه من التغني بها في أي منبر أو إذاعة أو مسرح ، معللة قرارها بأن قناعاته لا تتسق مع قناعاتها الثورية ، وأنها لا تريد أن ترتبط قصائدها بمن لا يؤمن بمبادئ ثورة ديسمبر وتضحياتها ، وهنا تبلغ الوصاية السياسية ذروتها ، حين تتحول القصيدة من نص إبداعي إلى بطاقة عضوية حزبية ، ويصبح صوت الفنان رهينة لموقف الشاعرة من السياسة ، وكأن على النصري أن يمر أولاً بمكتب اعتماد الثورة قبل أن يفتح فمه بالغناء ! ويا لها من معركة غير متكافئة في ميزان الوجدان الشعبي ، صباح تسحب قصيدة ، والنصري يحمل في رصيده أغنيات سكنت ذاكرة السودانيين ، وتناقلتها المجالس والبيوت والطرقات ، أغنيات تتقاطع فيها الحنية مع الحزن ، وتجد طريقها إلى القلوب دون استئذان من حزب أو استفتاء في منصة سياسية ، ولربما كان السؤال الأكثر إثارة للسخرية في هذه الحكاية ، كم تساوي «محيتك» أمام «عابرة» و«ست الدار» و«أماني» ، «تسألني مالك بتلوم» و«أم الحسن» و«لاتنجع» و«غنيناك» و«عشم» و«الظروف اتغيرت» و«كمنجة وطبنجة»و«والفرقة » والقائمة تطول؟! هذه الأغنيات التي عبرت من حنجرة النصري إلى وجدان الناس ، وسكنت ذاكرة المحبين ، ورافقت حكايات الحنين والفراق وأوجاع الغياب ، لا تستطيع قرارات السحب أن تنتزعها من قلوب جمهورها . فصباح تستطيع أن تسحب قصيدتها ، وفق ما تؤمن به ، لكنها لا تستطيع أن تسحب من الناس ذكرياتهم مع أغنيات النصري ، ولا أن تمحو من وجدانهم ما صنعه صوته عبر سنوات من الإبداع .
والمفارقة الساخرة أن إعلان سحب «محيتك» قد يمنح القصيدة شهرة لم تكن تحلم بها ، بينما يظل النصري مستنداً إلى رصيد فني يعرفه جمهوره ويحفظه عن ظهر قلب ، فإذا كانت «محيتك» قد سُحبت من النصري ، فهل تستطيع صاحبتها أن تسحب «عابرة» و«ست الدار» من ذاكرة السودانيين أيضاً ، نعم من حق صباح ، بصفتها شاعرة ، أن تعلن موقفها من استخدام عملها وفق ما يتيحه القانون والاتفاقات ذات الصلة ، لكن من حقنا أيضاً أن نسأل ، هل كانت القصيدة ستُسحب لو أن النصري أعلن ولاءه لصمود؟ وهل أصبحت قيمة الفن تُقاس بموقف صاحبه ، أم بقدرته على ملامسة وجدان الناس؟ إن الاختلاف السياسي لا ينتقص تلقائياً من موهبة الفنان ، كما أن الانتماء إلى ثورة لا يمنح أحداً حق احتكار الوطن أو مصادرة حق الآخرين في التعبير عن قناعاتهم .
والأطرف أن صباح ، وهي صحفية تعرف أن مهمتها تقتضي مناقشة المواقف لا معاقبة أصحاب الرأي المخالف فنياً ، قدمت بنفسها نموذجاً لما تنتقده حين تتهم الآخرين بالتضييق على أصحاب الرأي المختلف ، فبدلاً من أن ترد على موقف النصري بحجة سياسية مقنعة ، اختارت أن تجعل قصيدتها أداة ضغط رمزية ، وكأنها تقول له ، ما دمت لم تقف حيث أقف ، فلن أغنيك من بستاني ، حسناً افعلي ماشئتي فالفن ليس بستاناً سياسياً مسوّراً ، والجمهور ليس لجنة مركزية تنتظر قرارات السحب والمنع حتى تعرف من تحب ومن تسمع .
أما النصري ، فإن جماهيريته لم تُبنَ على قصيدة واحدة ، ولا على تزكية صحفية ، ولا على مباركة تيار سياسي ، لقد صنع مكانته بأغنياته التي عاشت في وجدان الناس ، وبصوته الذي ارتبط عند جمهوره بالحنين والشجن والدموع وتفاصيل الحياة السودانية ، وهذه المكانة لا تمنحه حصانة من النقد ، لكنها تجعل محاولة اختزاله في موقف سياسي واحد أقرب إلى معاقبة نهر لأنه لم يجرِ في الاتجاه الذي رسمته له قصيدة .
ولجماعة صمود ، البرهان ليس حزباً ، والجيش ليس ملكاً لشخص ، والوطن ليس شركة مسجلة باسم جماعة سياسية ، والوقوف مع الجيش لا يعني بالضرورة الانتماء إلى حزب ، كما أن الاختلاف مع البرهان لا يمنح أحداً حق احتكار الوطنية أو مصادرة مواقف الآخرين ،
أما الذين يتولون الدفاع عن الخطاب السياسي لصمود من الصحفيين والنشطاء ، فواجبهم أن يناقشوا المواقف بالأدلة ، لا أن يتحولوا إلى أبواق خصومة ، وأن يردوا على الأسئلة الصعبة بدلاً من الهجوم على كل من يطرحها ، النصري لم يوالِ حزباً ، بل اختار أن يعبر عن موقفه تجاه وطنه وجيشه ، وهذه وحدها كافية لتفسير غضب من يريدون احتكار المشهد السياسي ، لكنها لا تكفي لإدانته أو التشكيك في وطنيته، فإذا كانت صمود تريد اختبار وطنية الفنانين بقوائم الولاء ، وإذا كانت بعض الأقلام ستسحب قصائدها ممن يخالفها ، فربما آن الأوان لأن يسأل الجمهور سؤالاً بسيطاً، من الذي يحتاج إلى من؟ ، الفنان إلى قصيدة واحدة ، أم القصيدة إلى صوت يمنحها الحياة؟ ،
فالوطن ليس حكراً على صمود ، والجيش ليس ملكاً للبرهان ، والوطنية ليست بطاقة عضوية حزبية كما اسلفت ، والفن ليس فرعاً من فروع أي جماعة سياسية . أما السودانيون الذين دفعوا ثمن الحرب من أرواحهم وبيوتهم وأمنهم ، فلهم الحق في أن يسألوا كل القوى السياسية ، مع من وقفتم حين كان الوطن ينزف؟ فالنصري وقف حيث يقف الغبش الكادحين ممن تغنى لهم… لنا عودة
في احتفال المقر بعيده الثالث مناوي: لا نريد دولة مليشيات والسودان ماضي نحو جيش وشرطة وأمن مركز المقرن يعلن فتح أبوابه للإعلاميين على مدار 24 ساعة د.عمار زكريا: المركز هدية لصحفيي معركة الكرامة ومنبر مفتوح لقضايا الوطن قيادات عسكرية وسياسية تشيد بدور الإعلام الوطني محجوب أبوالقاسم
أكد حاكم إقليم دارفور،ط مني أركو مناوي أهمية دعم المؤسسات والمراكز المعنية بتطوير العمل ال…





