السجل الأبيض في الصندوق الأسود
من قصص الكرامة الطيب قسم السيد

ليس كل ما حدث في ولاية الجزيرة يُروى في نشرات الأخبار، فهناك صندوق أسود مليء بالجراح، وهناك سجل أبيض ناصع كتبه أهل قرى تلك المنطقة بدمائهم.
حين اجتاحت المليشيا المتمردة قرى الجزيرة الوادعة، ظنت أنها أمام غنيمة سهلة.. قرى بلا سلاح، بلا متاريس. لكنها وجدت ما لم تحسب له حساباً. وجدت الرجال والعزيمة والاستبسال.
إذ واجهت تلك القرى المليشيا بصدور عارية وبقلوب مؤمنة. لم يكن لديهم مدرعات ولا مدفعية، كان لديهم الإيمان بأن الأرض عرض، وأن كرامة الحليلة والدار لا تُساوم.
فكان الثمن باهظاً.. إزهاق للأرواح البريئة، شهداء ارتقوا في المساجد والحقول، وهم يدافعون عن أعراضهم. ونهبٌ طال كل شيء، وإتلافٌ للممتلكات، وحرقٌ للزروع التي أفنوا عمرهم في استزراعها. أرادت المليشيا كسر إرادتهم بالحصار والتجويع والترهيب، فما زادهم تنكيلها إلا ثباتاً.
صبر أهلنا في منظومة الصندوق الأسود على ما فقدوه من أرواح، وودعوا شهداءهم بالتكبير والتهليل لا بالبكاء والعويل، واحتسبوهم عند الله. قدموا الشهيد تلو الشهيد، ولم تلن لهم قناة. أرسوا قيماً للتضحية والفداء ستدرسها الأجيال وأدوا للملأ عبر الفضاء المفتوح، بأن البطولة ليست بالسلاح وحده، بل بالثبات على الأرض حين يفر الجبناء.
لقد كان تلاحمهم هو سلاحهم الأمضى. تكاتفوا وتناصروا وتقاسموا اللقمة تحت الحصار، وحموا نساءهم وأطفالهم بأجسادهم، وفتحوا بيوتهم للنازحين من القرى المجاورة، فصاروا جسداً واحداً.
إن ما سطره أهل قرى الجزيرة ليس مجرد صمود، بل هو السجل الأبيض في الصندوق الأسود لهذه الحرب. هو شهادة بأن هذا الشعب لا يُكسر، وأن الشهامة والمروءة ما زالت تسكن تلك البيوت البسيطة التي هزمت بثباتها أحدث الأسلحة. وسيبقى دم شهدائهم ديناً في أعناقنا، وستبقى بطولتهم هي الكرامة التي حفظت للسودان وجهه المشرق يوم اسودت وجوه المرتزقة وخبت أصوات العملاء وتلاشت أحلام الداعمين.
*وعلى الله قصد السبيل*
وغداً نكون كما نود
السودان أسد يمرض لكنه لا يموت وهذه ليست عبارة للإستهلاك العاطفي ولا شعاراً يرفع في المنابر…





