رفيق الخمسين.. الضلع السادس الذي انكسر
كلام من اتجاه واحد بقلم: د. عبدالماجد هارون عبدالماجد

في غمرة النوازل الكبرى وتلاطم خطوب الوطن، تأتي الفجائع الفردية لتنتزع الإنسان من انشغاله بالعام، وتضعه في وجه القدر وحقائق الوجود العارية.
يوم أمس الأول السبت 17 أكتوبر 2026م ، ترجّل عن دنيانا الصفِي النقي ، سادس السته الأشقاء الأشقياء أصحاب رحلة الخمسين عاماً، المغفور له بإذن الله (بحرالدين عبدالرحمن حسن)، بعد أن جاهد ابتلاء المرض بصبر جميل وسكينة الموقنين، ليكون أول الراحلين من سداسي العهد الممتد منذ صبي نيالا المجروحة لفقده وفراقه .لقد اختار صفي العمر ورفيق الخمسين عاما بملئ قدره ان يكون أول الراحلين بعد أن كسر الصف وخالف الحزية ليفتح باب الخلود ويرحل الي الدار الآخرة ويتركنا لحرقة الرجاء في صف الانتظار. لقد اخذ صديق العمر عند رحيله العجول عنا قلوبنا وترك لنا بذور الوفاء التي غرسناها على طهر النوايا.
لم تكن مسيرتنا السداسية، مسيرة الأشقاء الأشقياء مجرد صحبة مطبوعة علي شريط الذكريات، بل كانت تجربة لفتية آمنوا بأنفسهم وارادوا ان يقبلوا الي الحياة لبناء الذات وتخطيط المستقبل، حيث كنا نجلس لساعات طوال، نتدارس شؤوننا وننسج من لقاحات افكارنا ملامح المستقبل عازمين علي مواجهة تعقدات الحياة ومشاكلها الطارئة بعزيمة الشباب، كنا حريصين كل الحرص في عهد صبانا الأول ألا نثقل كاهل الأهل بجهد أو هم او مشورة، ولإيماننا بانفسنا تحملنا بكل عنفوان في تلك المرحلة من تاريخنا المشترك مسؤوليات بعضنا البعض، وكنا شركاء في كل شئ مهما بلغ من العموم او الخصوصية، كنا نعرف عن بعضنا كل صغيرة وكبيرة وليس بيننا أسرار . وفي كل محطة من تلك المحطات، كان أخي الراحل (بحرالدين) يمثل العقل الراجح والملاذ والحكمة الراسخة بيننا، فبينما نثور أو نغضب في اي قضية او موضوع عابر ، كان الفقيد يواجه اشتعال المواقف بهدوئه العجيب ليعيدنا الي صوابنا ، وحين نفقد أعصابنا أمام العقبات كان يبسطها علينا وزناً وسكينة، وإذا اشتطت بنا الآراء وتشتت بنا السبل،دائما ما كانت تجيء كلمته الفاصلة ورأيه الراجح ليفتح لنا مخرجاً من كل معضلة. لقد كان الحبيب الراحل رجلاً يستوعب صدمات الدنيا وتقلباتها بازدراء عجيب ويتغلب عليها ببسمته المعهودة الراجحة .
طوال نصف قرن من الرفقة الصادقة والوفاء المطلق، اشهد الله انني لم اسمع اخي الحبيب الراحل بحرالدين ينطق بكلمة نابية او لفظ مشين بل حتي لسانه الطاهر لا يعرف كيف يجمع مفردات لتصنع اي نوع من الكلام الرديئ ،واشهد الله كذلك انني لم اشهد موقفا طوال حياتي لهذا الرجل انه اغمض عيناه آخر النهار يوما وكان في قلبه غضب او ثأر او حقد علي اي احد كان، واشهد الله أن اخي الحبيب الراحل لم تعرف جوارحه سلوك النميمة أو الخوض في سِيَر الناس. كان الراحل العزيز رجلاً سمحاً، طلق المحيا، يغزو القلوب بالقول الحسن والكلمة الطيبة التي تُطفئ الحزانات وتزرع الطمأنينة. لقد جسد صديق العمر الراحل عبر حياته مفهوم النبل الأخلاقي في أسمى تجلياته، فكان صديقاً للجميع، حائزاً على محبة زملائه وعارفيه، وكأنه خُلق ليكون نسمة افقيه تمر بين الناس دون أن تخدش وجدان احد.
إن رحيل اخي الصديق الصدوق الصفي النقي بحرالدين ترك في نفسي وفي نفوس احبائه وزملائه حيرة ممتدة وفراغاً عصياً على الغطاء، وأشعر في هذه اللحظة بفقدان الاتزان، رغم محاولاتي المستمرة منذ رحيله للملمة مشاعري المتناثرة حول اللحظة وضبط ايقاعي النفسي وخطواتي المتخبطة امام عتبة اليقين، وأسأل في ذلك من الله الثبات . لقد كان الراحل مدرسة صامتة نستلهم منها قيم التجرد والتسامي فوق صغائر العيش، فقد كان اخي بحر مدرسة في ثبات المبدأ والتضحية الشفافة بلا انتظار لمقابل. إن غيابه لا يعني فقط خسارة شقيق رحيم شفوق حنين ، بل يمثل فقدان لمعيارنا الذي طالما اعتمدنا عليه للاسترشاد في قراءة مسارات الحياة ومواجهة تقلباتها.
أقف اليوم وانا مكسو بكل حزن الدنيا في حيرة موجعة أمام المستقبل وكيف سنواجه نحن من تبقي من السداسي الاشقياء أزمات الأيام القادمة وحوادثها خاصة حين تستبد بنا الخطوب وتشتد الحاجة إلى حلمه الساكن، وصبره العظيم، ونفاذ بصيرته التي طالما أضاءت لنا العتمة؟ كيف سنستدل على سداد الرأي حين تتشابك الرؤى ونفقد ذلك العقل الراجح الذي كان يعيد الأمور إلى نصابها بكلمة واحدة؟ إن أسئلة الفراغ التي تركنا الراحل فيها ستظل تحاصرنا كلما احتجنا إلى ملاذ، وتُذكرنا بأننا أُصبنا في مكمن أماننا الروحي، وبات علينا مجبورين أن نتعلم العيش في ظل غياب البوصلة التي وجهت حياتنا لنصف قرن من الزمان .
إن أثمن ما يتركه الراحل لأهله، وأسرته، وأصدقائه، وللمجتمع قاطبة، هو هذا الإرث الناصع من السكينة والمودة،وإن كان من دروس وعبر في هذا الابتلاء العظيم هو ان الأثر الباقي للإنسان لا يُقاس بما يجمعه أو ينازع عليه، بل بمدى ما يغرسه في قلوب الآخرين من أمان ومحبة.
إلى عائلة أخي وشقيقي (بحرالدين)، وإلى رفاق دربنا المتبقين من سداسي العهد،والي كل الاهل والمعارف والاحباب نقول: إنّ العزاء يكمن في استبقاء موروث القيم الذي تركه الفقيد حيا في سلوكنا وفاءً لذكراه. لقد غادرنا بحرالدين جسداً، لكنه ترك خلفه سيرة عطرة تُشكل معياراً أخلاقياً للوفاء وحسن المعشر، ترك لنا شهادة مدونة بمداد القلوب بأنّ الخير لا يزال متجذراً في أهلنا ومجتمعنا الصغير والكبير.
رحم الله أخي وشقيقي ورفيقي وصديقي (بحرالدين عبدالرحمن حسن) في الصالحين، وأسكنه فسيح جناته مع الأبرار، وألهمنا جميعاً الصبر الجميل.
إنّ العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا بحرالدين لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله: إنا لله وإنا إليه راجعون.
نسأل الله العلي القدير أن يجعل هذه الحروف شاهدة له بالوفاء والصحبة الصالحة، وأن يُنزل الصبر والسكينة على قلوبنا انه نعم المولي ونعم النصير
حكومتنا الرشيدة
جاء في أخبار أمس أن وزير الزراعة قد شارك في مؤتمر للتمور بدولة سلطنة عمان وقال الوزير والت…





