المحن تخبئ وراءها المنح
نقطة ارتكاز د. جادالله فضل المولى

إن المتأمل تأملاً عميقاً رصيناً في حال بلادنا اليوم، وما حل بها من خطبٍ عظيمٍ وبلاءٍ جسيمٍ، ليُدرك يقيناً أن ما نعيشه ليس حدثاً عابراً ولا عارضاً طارئاً، بل هو مخاض تاريخي كبير، واصطفاء رباني عظيم، أراد الله سبحانه وتعالى به أن يوقظنا من غفلة طالت، ومن سبات عميق استسلمنا له دهراً طويلاً.
لقد نسينا الله تعالى حقاً فنسانا أنفسنا، وغفلنا عن منهجه القويم غفلةً شديدةً، حتى صرنا نرى الحرام أمراً معتاداً مألوفاً، وصارت معاملاتنا اليومية شاهدةً علينا شاهدةً بالباطل، فأدخلنا الربا إدخالاً صريحاً فاضحاً في بيوتنا وأسواقنا، فصرنا نبيع مائة ألف بنكك بتسعين ألفاً نقداً جهاراً نهاراً، نحارب الله ورسوله حرباً معلنةً صريحةً، ونحن نحسب أننا نحسن صنعاً، ونظن أن المال يزداد بالحيلة والمكر، وما علمنا أننا إنما نمحق البركة محقاً، وننزع الرحمة نزعاً، ونستجلب السخط والغضب استجلاباً.
وحين تعاظم الربا، وانتشر الحقد انتشاراً، وتفشى الحسد ، وسادت البغضاء ، وأصبحت النفوس مشحونةً بالضغينة والكراهية، جاءت الطامة الكبرى، وجاء الابتلاء العظيم الذي لم يكن له بد من المجيء، فتكالبت علينا الأمم من كل صوب وحدب، وتداعت علينا الدول كما تتداعى الأكلة على قصعتها، وأرادت أن تمزق دارنا ، وأن تبدد وحدتنا ، وأن تطمس هويتنا .
وظن الناس جميعاً أنها النهاية ، وأنها الحرب التي لا تبقي ولا تذر، حتى أسماها بعض الحكماء بحق وصدق الحرب العالمية الثالثة في السودان، لعظم ما فيها من تحشيد وتحالف وتآمر، ولكن رحمة الله سبحانه وسعت كل شيء ، ورحمة الله سبقت غضبه ، ولطف الله الخفي كان حاضراً حضوراً عجيباً مهيباً.
إن سنة الله تعالى في خلقه ماضيةً ، وحكمته بالغةً، فما من محنة تمر إلا وتحمل في طياتها منحةً كريمةً جليلةً، وما من شدة تنزل إلا ويتبعها رخاءً، وما من كرب يشتد إلا ويعقبه فرجاً، وما من ظلام يحلك إلا ويعقبه نوراً.
لقد أخرجت هذه الحرب منا خبثاً كثيراً كان مستتراً ، وكشفت معادن الرجال كشفاً واضحاً صريحاً، فظهر الصادق المخلص ، وانكشف الخائن المرجف ، وتطهرت النفوس ، وعادت القلوب إلى ربها عودةً صادقةً خاشعةً، وسمعنا من الأمهات دعاءً خالصاً، ومن الآباء تضرعاً صادقاً، ومن الشباب إقداماً وشجاعةً وفداءً قل نظيره .
إنها والله ليست شراً محضاً كما يحسبها الحاسدون ، بل هي خير محض ، وتربية ربانية عالية المقام رفيعة الشأن، تعيد للأمة مجدها ، وتعيد للدولة هيبتها، وتعيد للمجتمع تماسكه، وتعيد للاقتصاد نظافته، وتطهره من ربا فاحش كان يأكله أكلاً.
وغداً بإذن الله تعالى ستشرق شمس السودان إشراقاً جديداً وضيئاً، وستعود المدن، وستبنى الديار بناءً أرسخ من ذي قبل ، وسيعلم العالم أجمع أن السودان لا يموت ، وأن شعبه لا ينكسر ، وأن جيشه لا يهزم ، لأن في قلب كل محنة كامنةً منحة، وفي جوف كل بلاء مخبوءاً عطاء، وفي ثنايا كل شدة مولوداً فرجاً عظيماً مباركاً.حفظ الله السودان وشعبه من كل شر وبلاء.
meehad74@gmail.com
حماية السودان تبدأ من وعينا الامني
كثرت انتشار الأخبار المتعلقة (بالجرائم الأمنية) لاتخلو الصحف الألكترونية او القروبات من هذ…





