التسابق نحو المطارات .. بذخ حكومي يتحدى أوجاع الشارع المأزوم سفريات الوزراء الخارجية تستنزف خزينة الدولة من الدولار خبير اقتصادي: انعدام الجدوى الاقتصادية للوفود الخارجية الرسمية تقرير : رمضان محجوب

تهرول أقدام المسؤولين صوب صالات المغادرة، وتتحرك الحقائب بين المطارات بلا إبطاء، بينما تقف البلاد مشلولة أمام طاحونة الغلاء وضيق العيش. فحركة الوزراء الخارجية هذه لم تكن تمثيلاً مقتضياً، بل تحولت إلى عادة مكلفة تجرف بقايا اقتصاد متهالك تعتصره الديون ويشكو قلة الدولار وندرته. وفي لحظة تتمنع فيها الخزانة عن تدبير ثمن القمح وبواخر الوقود، تنساب تصاديق السفر بكل يسر لتستفز الشارع وتضع الأولويات على المحك. هذه المأساة المكررة فـ”حكومات تفوت وحكومات تجي”، ويبقى البذخ الحكومي طليقاً بلا فرامل، ليظل المواطن المنهك وحده من يسدد الفاتورة الباهظة من حصالة يومه وقوته.
▪️ نزيف النقد الأجنبي
تذاكر ونثريات المغادرة للمسؤولين والوزراء تبتلع الموارد الشحيحة من النقد الأجنبي، ليغدو السفر بالدرجة الأولى وصرف بدل السفر بالدولار للوزير وحواشيه ثقباً متسعاً في جدار الاقتصاد المنهك لا مجرد بند عادي في الميزانية. ومع تراجع الإيرادات وتمدد الفجوة في الموازنة العامة، تظل بنود الأسفار وحدها خطاً أحمر خارج مقص الخفض والتقليص. وتنسرب تلك الدولارات المشتراة من السوق الموازي لتهبط بقيمة الجنيه وتزيد لهيب الأسعار في المتاجر. فهذا الإصرار على السفر بذات النمط القديم يعكس غياب التقدير للواقع الرابض تحت وطأة الأزمة، في وقت يفرض فيه العقل حبس كل دولار داخل البنك المركزي لمواجهة الكارثة.
▪️ تضخم الوفود المرافقة
مع هذا النزيف المتواصل، لا يقف الهدر عند تذكرة الوزير بمفرده، بل يتمدد نحو قوائم حافلة بالمستشارين والمحظيين. فالكشوف المرفقة تضم مدراء مكاتب وإداريين ومساعدين، في مهام كان يكفي لإنجازها سفير مقيم أو موظف واحد يتولى التنسيق. تحول السفر الخارجي في دواوين الدولة إلى غنيمة مصلحية ومجاملة وظيفية تُقطع من لحم الشعب، دون تحديد دقيق لمبررات هذا الحشد التنفيذي. الفاتورة تتضاعف حتماً مع كل اسم يُلحق بالوفد، والخزانة تحمل نفقات إقامة وإعاشة لمرافقين لا يقدمون قيمة مضافة. فالتساهل الإداري في اعتماد القوائم هو الذي جعل من الوفود عبئاً ثقيلاً يضاعف الخسارة المالية بغير وجه حق.
▪️ ثغرات التشريع والرقابة
هذا القفز المتواصل والتمدد في الإنفاق لم يكن ليمر لولا أن مراجعة ضوابط الصرف تكشف ثغرات واسعة في اللوائح المالية تتيح لكبار المسؤولين التصرف في بند السفر بلا حسيب. فالسقوف المالية المحددة تغيب تماماً، وميزانيات الطوارئ والبنود السيادية تُفتح لتلبية رغبات الحركة دون خضوع لرقابة مالية سابقة ومستقلة. الا ان المراجعة القومية تصل متأخرة بعد فوات الأوان، لتسجل المخالفات في تقارير صامتة بعد أن تكون الأموال قد تبددت. والشارع بحاجة ماسة إلى تعديل تشريعي حاسم يمنع الصرف لغير الطوارئ القومية، ويلزم المؤسسات بنشر كشف حساب علني مفصل لكل مهمة خارجية والتكلفة الكلية التي أُخرجت لها.
▪️ انعدام الجدوى الاقتصادية
وفي السياق، كشف خبير اقتصادي لـ ” العودة” عن انعدام الجدوى الاقتصادية لمجمل الزيارات والوفود الخارجية في الوقت الراهن، مؤكداً أن العائد المالي والسياسي لهذه الأسفار لا يتناسب مطلقاً مع حجم الإنفاق المصروف عليها بالعملة الصعبة. وأوضح أن وضع حصيلة هذه الأسفار المتضخمة في كفة ونفقاتها الباهظة في كفة أخرى يظهر عجزاً صارخاً في الأداء التنفيذي، حيث يعود الوزراء بالصور والبيانات البروتوكولية دون تحقيق اتفاقات استثمارية ملموسة أو تدفقات مالية تنعش الأسواق المنهكة.
▪️ اختلال الميزان المالي
وأشار الخبير الاقتصادي في حديثه لـ ” العودة” إلى وجود خلل بليغ في ترتيب الأولويات الوطنية والميزان المالي للدولة؛ إذ تظهر الخزانة العامة عجزاً كبيراً عن تدبير النقد الأجنبي لتغطية احتياجات البلاد من القمح واستيراد السلع الاستراتيجية وبواخر الوقود، بينما تتاح دولارات السفر وتنساب تصاديق النثريات للوزراء ومرافقيهم بكل يسر وسلاسة. واعتبر هذا التناقض شكلاً من أشكال الهدر التنموي الذي يضغط على سعر الصرف ويضاعف معدلات التضخم في السوق المحلي.
▪️ غياب التقدير الاقتصادي
وختم الخبير الاقتصادي حديثه لـ ” العودة” بتأكيده أن استمرار الحركة الخارجية بهذه الوتيرة يعكس غياباً كاملاً للتقدير الاقتصادي السليم في إدارة الأزمة. وشدد على أن البلاد الغارقة في الديون والأزمات المعيشية لا تملك ترف الصرف البذخي على رحلات بروتوكولية يمكن تقليصها أو إلغاؤها، داعياً إلى إخضاع كل مهمة خارجية لدراسة جدوى مالية قبليّة وشديدة الصرامة تجعل من حماية الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي أولوية قصوى لا تقبل المساومة.
▪️ كفاءة التمثيل الدبلوماسي
من جانبه، شدد دبلوماسي سابق في حديثه لـ ” العودة” على أن البلد يمتلك شبكة سفارات وبعثات مقيمة في مختلف عواصم القرار تملك الخبرة والكفاءة الكافية لتمثيل البلاد في كافة القمم والمؤتمرات الدولية. وأكد أن الكوادر الدبلوماسية المقيمة بالخارج تتقاضى أجورها بالأساس لمتابعة الملفات وإدارة التمثيل الرسمي بكفاءة عالية، مما يجعل تقاطر الوفود الوزارية من الداخل أمراً غير مبرر ويكبد الدولة أموالاً طائلة يمكن توفيرها لدعم الخدمات الأساسية..
▪️ تهميش البعثات الخارجية
وأعرب الدبلوماسي السابق لـ ” العودة” عن أسفه لكون البعثات الدبلوماسية بالخارج باتت تتفرج على تجاوز صلاحياتها المعتمدة وتهميش دورها الأصيل بسبب إصرار الوزراء على السفر المباشر واصطحاب الطواقم التنفيذية. وأوضح أن هذا السلوك الإداري لا يكتفي بإهدار النقد الأجنبي فحسب، بل يضعف موقع الدبلوماسية المقيمة ويقلل من فاعليتها أمام الدولة المضيفة، في وقت توفر فيه التقنيات الحديثة وسائل تواصل افتراضية تتيح عقد الاجتماعات رفيعة المستوى بنقرة زر ودون تكلفة مالية.
▪️ ضرورة الانضباط المؤسسي
ودعا الدبلوماسي السابق في ختام حديثه عبر ” العودة” إلى إعادة فرض الانضباط المؤسسي في إدارة ملف العلاقات الخارجية، عبر تفعيل قرار سيادي يمنع سفر الوزراء إلا في الملفات السيادية المعقدة التي تتطلب حضوراً شخصياً حتمياً. وحث على إلزام الوزراء بتفويض السفراء المقيمين بالخارج للإنابة عن الدولة في الأنشطة البروتوكولية والمؤتمرات الدورية، معتبراً أن الاستفادة من شبكة البعثات الدبلوماسية الحالية تُعد الخطوة العملية الأولى لكبح الوفود واستعادة كفاءة الجهاز الدبلوماسي.
▪️ مفارقة التقشف والشعب
في ظل غياب هذه الرقابة الصارمة، يستيقظ المواطن كل يوم على خطاب رسمي يحثه على شد الحزام وتحمل مرارة الغلاء وتدهور الخدمات، بينما يتابع في الأخبار حركة الوزراء وتنقلاتهم بين العواصم. المفارقة تجرح وجدان الشارع وتجهز على ما تبقى من الثقة في الجهاز التنفيذي. مطالبة الأسر المأزومة بالصبر على انقطاع الكهرباء وانهيار العلاج تأتي في وقت تُهدر فيه العملة الصعبة على بدلات السفر والإقامة الفاخرة. المصداقية تقتضي أن تبدأ القيادة بنفسها في التقشف وتقليص الحركة، ليشعر المواطن أن الدولة تقاسمه وجع الأزمة ولا تعيش في برج من المزايا المقطوعة من عرق الناس.
▪️ انهيار خدمات الصحة
على عكس ما يقتضيه منطق المسؤولية، تتكشف البشاعة الحقيقية لهذا الشلل والهدر المالي عند المقارنة المباشرة بين نفقات السفر والوضع المتردي للمستشفيات والمراكز الصحية وصفوف البنزين والوقود. فالأموال المصروفة على جولة واحدة لكبار المسؤولين تكفي لتوفير أدوية الطوارئ وتشغيل أجهزة الغسيل الكلوي المتوقفة في الولايات. فالمرضى في الولايات يعانون من عدم توفر الشاش والمحاليل البسيطة، بينما المرافق تخرج عن الخدمة لغياب التمويل، والدولارات تتوفر في الوقت نفسه لتغطية بدلات المغادرة. هذا التناقض الصارخ خطأ أخلاقي في ترتيب أولويات الإنفاق، ويتطلب إيقاف كافة الأسفار وتوجيه كل الموارد نحو قطاع الصحة المحتضر.
▪️ خطة الترشيد المطلوبة
عطفاً على هذه الحيثيات، فإن ضبط أسفار المسؤولين لا يعني قطع الصلة بالعالم أو ضرب العزلة، بل فرض الانضباط والتعامل بعقلية رجل المال الحريص. المعالجة تبدأ بقرار حاسم يمنع سفر أي وزير إلا في القضايا السيادية العليا، على ألا يتجاوز الوفد شخصين اثنين. الوزارات كافة تُلزم بتفويض السفراء المقيمين في الخارج لينوبوا عن الدولة في المؤتمرات والاجتماعات، مع الاعتماد الكامل على الاتصال الافتراضي. فتطبيق هذه الإجراءات وتوجيه النقد الاجنبي لدعم القمح وتوفير بواخر الوقود يوجدان رسالة واضحة للمواطنين مفادها أن الدولة تحترم مواردها وبدأت فعلياً في تجفيف منابع الهدر.
قال أختانا قال..!!!خسئتم ياسفهاء ثمود–قحت..اخرسوا واتركوا أحلام زلوط..البرهان رمز وطني شامخ..!!
خرجت علينا غرف القحاتة العملاء الجربانين بشعار جديد استوحوه من (تسقط بس) وأسموه (أختانا يا…





