‫الرئيسية‬ مقالات براميل المحاية عندما يُستغل الإيمان لبيع الأوهام!
مقالات - ‫‫‫‏‫32 دقيقة مضت‬

براميل المحاية عندما يُستغل الإيمان لبيع الأوهام!

خواطر ابن فضل د. محمد فضل

تعجبت أشد العجب، وبلغ بي الاستنكار مداه، وأنا أشاهد صفوفًا مكتظة من الرجال والنساء يتزاحمون لشراء ما يُعرف في السودان بـ«المحاية»، وهي مياه تُجلب في براميل، يزعم بائعها أنه قرأ عليها آيات من القرآن الكريم، وأنها تحمل الشفاء من الأمراض! وكأننا أمام اكتشاف طبي خارق، لا أمام تجارة تستثمر آلام المرضى وثقتهم بالدين.

والأشد إيلامًا أن كثيرًا من هؤلاء البسطاء أعجزتهم تكاليف العلاج وأرهقتهم أسعار الأدوية، فوجدوا أنفسهم أمام من يبيعون لهم الأمل في زجاجة ماء، ويستغلون إيمانهم بأن الشفاء من عند الله.

ونقول لهؤلاء: أين الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على اتخاذ براميل المياه المقروء عليها وسيلة علاجية تُسوَّق للناس بهذه الصورة؟ وهل عُرف عن النبي ﷺ أو صحابته أو أئمة القرون الثلاثة المفضلة أنهم أقاموا مثل هذه الأسواق، وجمعوا المرضى أمام براميل الماء يبيعونهم الشفاء؟

إن الرقية بالقرآن مشروعة، لكن مشروعيتها لا تمنح أحدًا صكًّا مفتوحًا لابتداع صور من الممارسات العلاجية، ثم إضفاء القداسة عليها، والترويج لها بوصفها علاجًا للأمراض. ولا يصح الاستدلال بفضل القرآن لإثبات فعالية علاجية محددة لم تثبت بدليل معتبر.

وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]. لكن الإيمان بأن الله هو الشافي لا يعني تعطيل الأسباب الطبية، ولا تسليم عقول الناس لكل من ادعى امتلاك علاج باسم الدين.

ولقد أرشد النبي ﷺ إلى مراجعة الأطباء؛ فعن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ عاد مريضًا، فقال: «أَلَا تَدْعُو لَهُ طَبِيبًا؟» قالوا: يا رسول الله، وأنت تأمرنا بهذا؟ فقال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ دَوَاءً». أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (2873).

فهذا هو الهدي النبوي الذي يجمع بين الإيمان والتداوي، لا تعليق آمال المرضى ببراميل تُنسب إليها خصائص علاجية دون برهان.

والعجيب أن بعض مروجي هذه الممارسات، إذا أصابهم المرض، قصدوا المستشفيات والأطباء، بينما يبيعون للفقراء ما يوهمهم بأنه يغني عن العلاج! فأي تناقض أشد من هذا؟

إننا نرفض هذه التجارة رفضًا قاطعًا، ونستنكر تحويل القرآن الكريم إلى وسيلة لتسويق ادعاءات علاجية لا دليل عليها. وليس كل من قرأ القرآن أصبح طبيبًا، ولا كل ماء قُرئ عليه صار دواءً، ولا يجوز استغلال حاجة المرضى لترويج الأوهام.

وعلى العلماء والدعاة أن يصدعوا بالإنكار، وأن يبينوا للناس الفرق بين الرقية الثابتة والممارسات المستحدثة التي تُنسب إليها فضائل وخصائص علاجية بغير دليل. كما نطالب السلطات الصحية والعدلية بالتدخل العاجل، والتحقق من هذه الأنشطة، ومنع الادعاءات العلاجية المضللة، ومحاسبة من يثبت استغلاله للمرضى.

إن القرآن أجلُّ من أن يتحول إلى شعار لتجارة البراميل، والمرضى أكرم من أن تُستغل حاجتهم باسم الشفاء. وإذا كان الدجل مذمومًا في كل صوره، فإن أشد صوره خطرًا ما يستتر خلف قدسية الدين، ويتخذ من أوجاع الفقراء طريقًا إلى الثراء.

‫شاهد أيضًا‬

محطة المرخيات في ظلام العدوان للمرة الثالثة أين تأمين محطات الكهرباء والسدود ومتى نضرب منصات المسيرات؟

~ هذه هي المرة الثالثة التي تتعرض فيها محطة المرخيات التحويلية للكهرباء للعدوان بمسيّرات ا…