المسيرات وتدمير السودان.. هل هناك مخطط لمحو الهوية الوطنية؟
حديث الساعة إلهام سالم منصور

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل أصبحت تهديداً شاملاً للدولة السودانية، يمتد إلى البنية التحتية والاقتصاد والأمن القومي والنسيج الاجتماعي، ويضع مستقبل الأجيال القادمة أمام تحديات بالغة الخطورة. وفي ظل تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة، تتزايد المخاوف من اتساع نطاق الدمار واستهداف المنشآت الحيوية التي يعتمد عليها المواطن السوداني في حياته اليومية.
لقد تحولت المسيرات إلى أحد أبرز أدوات الحرب الحديثة، بما تملكه من قدرات على الاستطلاع وتنفيذ الضربات عن بُعد، الأمر الذي جعل المدن والمنشآت الاقتصادية والخدمية أكثر عرضة للخطر. وتشير تقارير منشورة خلال عام 2026 إلى أن استخدام المسيرات من جانب طرفي الحرب في السودان أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين، وألحق أضراراً بالمرافق الصحية وشبكات الكهرباء والمياه والأسواق ومنشآت النقل والإمداد.
وهنا يبرز السؤال الوطني الكبير: إلى متى يستمر استنزاف السودان وتدمير مقدراته؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية المنشآت التي تمثل شريان الحياة للمواطنين؟
المسيرات.. حرب تتجاوز حدود الميدان
إن استهداف البنية التحتية لا يعني فقط تدمير مبنى أو تعطيل منشأة، بل يعني حرمان آلاف المواطنين من الكهرباء والمياه والعلاج والخدمات الأساسية، وتعطيل حركة التجارة والإنتاج، وزيادة معاناة النازحين والفئات الأكثر ضعفاً.
فالسودان الذي يمتلك موارد زراعية وحيوانية ومعدنية واسعة، ويطل على البحر الأحمر، يحتاج إلى حماية منشآته الحيوية وإعادة بناء مؤسساته، لا إلى استمرار استنزاف موارده في حرب يدفع المواطن البسيط ثمنها من أمنه وقوت يومه ومستقبل أبنائه.
إن خطورة المسيرات تكمن في اتساع نطاق استخدامها وقدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة، وهو ما يستدعي تطوير منظومات حماية المنشآت الحيوية، وتعزيز قدرات الرصد والتحقيق، وتوثيق الأضرار والخسائر بصورة مهنية، ومحاسبة المسؤولين عن أي استهداف غير مشروع للمدنيين والأعيان المدنية.
إسرائيل والسودان.. أسئلة مشروعة تحتاج إلى أدلة
وفي ظل هذه التطورات، يطرح الشارع السوداني تساؤلات بشأن الأدوار الخارجية في الحرب، ومدى ارتباط الصراع السوداني بالتنافس الإقليمي والدولي على النفوذ والموارد والموقع الاستراتيجي للبلاد.
ومن بين الأسئلة التي تستحق البحث والتحقيق: هل توجد أدوار إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة في دعم أي طرف من أطراف الصراع؟ وهل هناك أدلة موثوقة على ارتباط بعض الهجمات أو عمليات نقل السلاح بشبكات خارجية لها صلات بإسرائيل أو بجهات أخرى؟
هذه أسئلة لا يجوز تجاهلها إذا ظهرت بشأنها معلومات جدية، لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول إلى اتهامات قاطعة من دون وثائق أو تحقيقات مستقلة. فخطورة المرحلة تفرض على المؤسسات السودانية المختصة كشف أي تدخل خارجي يثبت أنه يهدد سيادة البلاد أو يساهم في إطالة أمد الحرب.
إن حماية السودان تبدأ بمعرفة الحقيقة، أياً كانت الجهة التي تقف وراء أي تدخل يثبت وقوعه، وبناء موقف وطني يستند إلى الأدلة والمعلومات، لا إلى الشائعات والتكهنات.
هل السودان أرض الميعاد؟
إن التساؤل حول ما إذا كان السودان يمثل هدفاً لأطماع خارجية يفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن موقعه الجغرافي وثرواته وإمكاناته الاستراتيجية.
لكن هل توجد أدلة موثوقة تثبت أن إسرائيل تسعى إلى الاستيلاء على السودان باعتباره «أرض الميعاد»؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التمييز بين المعتقدات الدينية والتفسيرات السياسية والمشروعات التوسعية التي قد تتبناها بعض الجهات. فلا يصح اعتبار النصوص الدينية وحدها دليلاً على وجود خطة سياسية أو عسكرية للاستيلاء على دولة بعينها.
ومع ذلك، فإن السودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، وموارده الطبيعية، وأهميته في محيطه الأفريقي والعربي، يظل دولة ذات أهمية استراتيجية تستحق أن تخضع التحركات الدولية والإقليمية المرتبطة بها للدراسة والتحليل.
ومن حق السودانيين أن يسألوا عن مصالح القوى الدولية في بلادهم، وأن يطالبوا بالشفافية بشأن أي اتفاقيات أو تحركات تمس السيادة الوطنية. كما أن من واجب الدولة حماية أراضيها ومواردها، والتصدي لأي مشروع توسعي أو تدخل خارجي تثبت الأدلة وجوده.
إن الدفاع عن السودان لا يحتاج إلى صناعة مخاوف غير مثبتة، بل إلى كشف الحقائق، وتعزيز مؤسسات الدولة، ورفع مستوى الوعي الوطني، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
السودان ليس غنيمة حرب
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في أوقات الحروب هو أن تنشغل بالصراع الداخلي، بينما تتسع أمام القوى الخارجية فرص التأثير في قراراتها ومقدراتها.
ولذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي حماية وحدة السودان وسلامة أراضيه، وصيانة موارده، والحفاظ على هويته السودانية الجامعة التي لا تختزلها قبيلة أو جهة أو منطقة.
فالهوية الوطنية ليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، وإنما هي تاريخ مشترك وثقافة متوارثة وحقوق وواجبات ومصالح تجمع السودانيين على اختلاف مكوناتهم. وأي محاولة لتفكيك المجتمع أو إذكاء الكراهية بين أبنائه تمنح الحرب فرصة أكبر لإضعاف الدولة.
ومن هنا، فإن مواجهة مخاطر الحرب لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تشمل أيضاً حماية المؤسسات، ومحاربة خطاب الكراهية، ومكافحة التضليل الإعلامي، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
من يحمي مستقبل السودان؟
إن المطلوب اليوم هو تحرك وطني جاد يقوم على عدة مسارات، في مقدمتها التحقيق المهني في الهجمات التي تستهدف المنشآت الحيوية، وتحديد الجهات المسؤولة عنها استناداً إلى الأدلة، وتعزيز حماية المدنيين، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في انتهاكات القانون الدولي الإنساني.
كما ينبغي أن تتضافر جهود المؤسسات الأمنية والدبلوماسية والإعلامية لكشف أي تدخل خارجي يثبت تأثيره في مسار الحرب، مع توظيف القنوات الإقليمية والدولية لحماية سيادة السودان ومصالح شعبه.
وعلى الإعلام الوطني أن يؤدي دوره بمسؤولية، فيكشف الحقائق ويوثق الانتهاكات، من دون أن يسمح للشائعات بأن تحل محل المعلومات الموثوقة، أو أن تتحول المخاوف المشروعة إلى اتهامات لا تستند إلى أدلة.
فالحرب قد تدمر الطرق والمنشآت، لكنها لا تستطيع وحدها محو تاريخ شعب يتمسك بأرضه وهويته، إذا امتلك الوعي والإرادة والقدرة على إعادة البناء.
أخيراً..
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم ليس فقط: من يقف وراء المسيرات التي تضرب بلادنا؟ بل أيضاً: كيف نحمي السودان من التدخلات الخارجية، ونوقف استنزاف موارده، ونمنع انهيار مؤسساته، ونستعيد قدرتنا على بناء دولة مستقرة؟
أما التساؤلات بشأن إسرائيل وأي أطماع محتملة في السودان، فيجب أن تظل موضع بحث وتحقيق جادين، بعيداً عن التهويل أو التستر على الحقائق.
السودان ليس أرضاً مستباحة، ولا غنيمة تتقاسمها القوى المتنافسة، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. إنه وطن لشعب له تاريخه وهويته وحقه في السيادة والاستقرار.
وستبقى حماية السودان مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ بكشف الحقيقة، وتترسخ بوحدة الشعب، وتكتمل ببناء دولة قادرة على حماية أرضها ومواردها وصون كرامة مواطنيها.
محطة المرخيات في ظلام العدوان للمرة الثالثة أين تأمين محطات الكهرباء والسدود ومتى نضرب منصات المسيرات؟
~ هذه هي المرة الثالثة التي تتعرض فيها محطة المرخيات التحويلية للكهرباء للعدوان بمسيّرات ا…





