قراءة تحليلية
حديث الساعة : إلهام سالم منصور

زيارة البرهان إلى روسيا.. هل تفتح أبواب المكاسب الاقتصادية والعسكرية وتعيد رسم المشهد السوداني؟
لم تكن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى العاصمة الروسية موسكو زيارة بروتوكولية عابرة، بل جاءت في توقيت بالغ الحساسية، يمر فيه السودان بواحدة من أخطر المراحل السياسية والأمنية والاقتصادية في تاريخه الحديث. فالحرب التي دخلت عامها الرابع فرضت على الدولة السودانية البحث عن تحالفات استراتيجية وشراكات دولية قادرة على مساندتها في معركة استعادة الدولة ومؤسساتها وسيادتها الوطنية.
إن لقاء البرهان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومشاركته في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، يفتحان الباب أمام تساؤلات مهمة: ماذا يريد السودان من موسكو؟ وماذا تريد روسيا من السودان؟ وهل تستطيع هذه الزيارة أن تنقل العلاقات بين البلدين من مرحلة التقارب السياسي والدبلوماسي إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية والعسكرية والأمنية الحقيقية؟
أولاً: المكاسب الاقتصادية.. هل تصبح روسيا شريكاً في إعادة بناء السودان؟
من أبرز الملفات التي طُرحت خلال الزيارة استعداد السودان لإتاحة فرص استثمارية للشركات الروسية في مجالات الذهب والنحاس والمعادن الأخرى، إلى جانب مقترح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تشمل منشآت لتخزين الوقود والقمح.
كما طُرح التعاون في تطوير شبكة السكك الحديدية السودانية، وهو ملف بالغ الأهمية إذا ما أردنا إعادة بناء البنية التحتية وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق.
وهنا تكمن أهمية الشراكة الروسية؛ فالسودان يمتلك ثروات طبيعية هائلة، من الذهب والمعادن إلى الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والموقع الجغرافي الاستراتيجي، لكنه يحتاج إلى استثمارات حقيقية وتقنيات حديثة وشركاء قادرين على الدخول في مشروعات طويلة الأجل.
غير أن السؤال الأهم هو: هل ستتحول هذه المقترحات إلى اتفاقيات ملزمة ومشروعات على أرض الواقع، أم ستظل مجرد وعود دبلوماسية؟
فالسودان لا يحتاج إلى توقيع الاتفاقيات بقدر حاجته إلى تنفيذها، ولا يحتاج إلى تصدير ثرواته الخام بقدر حاجته إلى إنشاء صناعات وطنية تضيف قيمة حقيقية لموارده وتوفر فرص العمل لأبنائه.
ثانياً: التعاون العسكري والأمني.. هل تحصل القوات المسلحة على مكاسب استراتيجية؟
لا يمكن قراءة زيارة البرهان إلى موسكو بمعزل عن طبيعة الحرب التي يخوضها السودان والتحديات الأمنية التي تواجه الدولة والقوات المسلحة.
فروسيا دولة تمتلك خبرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة، ويمكن أن يشكل التعاون معها فرصة لتطوير الصناعات الدفاعية السودانية، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، وتبادل الخبرات في المجالات الأمنية والعسكرية.
كما أن وجود مدير جهاز المخابرات العامة ومدير منظومة الصناعات الدفاعية ضمن الوفد السوداني يعكس أهمية الملفات الأمنية والدفاعية في أجندة الزيارة.
لكن من المهم التمييز بين فرص التعاون المحتملة والاتفاقيات العسكرية التي أُعلن عنها فعلياً؛ إذ لم تتضح تفاصيل صفقة تسليح جديدة أو اتفاق عسكري محدد خلال الزيارة.
والسودان في هذه المرحلة يحتاج إلى شراكات تحترم سيادته وقراره الوطني، وتدعم بناء قدراته الدفاعية، بعيداً عن التبعية أو الارتهان لأي محور دولي.
ثالثاً: البحر الأحمر.. السودان في قلب الصراع الدولي
إن مقترح إنشاء منطقة اقتصادية حرة روسية على ساحل البحر الأحمر يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الاقتصادي.
فالبحر الأحمر يمثل أحد أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم، والسودان يمتلك موقعاً جغرافياً يمنحه أهمية استراتيجية كبيرة في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
ومن هنا فإن أي شراكة روسية سودانية في الموانئ والخدمات اللوجستية وتخزين الوقود والقمح يجب أن تقوم على حماية المصالح السودانية أولاً، وضمان عدم تحويل الأراضي والموانئ السودانية إلى ساحة صراع بين القوى الدولية.
فالسودان ليس مجرد موقع جغرافي تتنافس عليه الدول، بل دولة ذات سيادة وموارد ومصالح وطنية يجب أن تكون حاضرة في كل اتفاق.
رابعاً: هل تغير الزيارة المشهد السياسي السوداني؟
سياسياً، تمثل زيارة البرهان ولقاؤه بالرئيس بوتين مكسباً دبلوماسياً مهماً، خاصة في ظل حاجة السودان إلى توسيع علاقاته الدولية وكسر العزلة التي فرضتها الحرب وتعقيدات المشهد الإقليمي.
كما أن الموقف الروسي الداعم لوحدة السودان وسيادته يمثل أهمية سياسية للخرطوم، خصوصاً أن موسكو سبق أن استخدمت حق النقض في مجلس الأمن بشأن مشروع قرار متعلق بالسودان في نوفمبر 2024.
لكن لا ينبغي المبالغة في تقدير تأثير الزيارة؛ فروسيا، مثل بقية القوى الكبرى، تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الاستراتيجية، وليس من الحكمة افتراض أن التقارب السياسي يعني دعماً غير مشروط لكل المواقف السودانية.
أما على المستوى الداخلي، فإن أي مكاسب خارجية لن تكون كافية وحدها لتغيير المشهد السوداني ما لم تصاحبها رؤية وطنية واضحة لإدارة المرحلة، واستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق الأمن والاستقرار، وتهيئة المناخ لعودة النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار.
خامساً: السودان بين تعدد الشراكات وحماية القرار الوطني
إن الدرس الأهم الذي ينبغي أن تستوعبه القيادة السودانية هو أن بناء العلاقات مع روسيا لا يعني إغلاق الأبواب أمام بقية دول العالم.
السودان يحتاج إلى علاقات متوازنة مع روسيا والصين والدول العربية والأفريقية والقوى الدولية الأخرى، وفق مبدأ المصالح المتبادلة واحترام السيادة الوطنية.
كما يجب أن تكون هناك مراجعة دقيقة لكل الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية، حتى لا تتحول ثروات البلاد إلى امتيازات خارجية لا يستفيد منها المواطن السوداني.
فالمطلوب ليس استبدال التبعية بأخرى، وإنما بناء دولة قوية تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي والعسكري.
ختاماً:
إن زيارة البرهان إلى روسيا تمثل فرصة استراتيجية مهمة للسودان، وقد فتحت أبواباً للتعاون في ملفات التعدين والسكك الحديدية والبحر الأحمر والصناعات الدفاعية، كما عززت الحضور الدبلوماسي السوداني في واحدة من أهم العواصم الدولية.
ولكن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالاستقبال الرسمي ولا باللقاءات الرئاسية ولا بالتصريحات السياسية، وإنما بما ستسفر عنه هذه الزيارة من اتفاقيات قابلة للتنفيذ واستثمارات حقيقية ومكاسب أمنية واقتصادية ملموسة.
وهنا نضع أمام القيادة السودانية سؤالاً جوهرياً: هل نستطيع تحويل موقع السودان الاستراتيجي وثرواته الطبيعية إلى قوة اقتصادية تحمي استقلال القرار الوطني وتدعم بناء الدولة؟
إن السودان لا تنقصه الموارد ولا الموقع ولا الكفاءات، وإنما يحتاج إلى إدارة رشيدة تعرف كيف توظف علاقاتها الدولية لمصلحة شعبها.
نريد شراكة مع روسيا تحقق المصالح المشتركة، لا مجرد تقارب سياسي. ونريد علاقات دولية تحمي سيادة السودان، لا أن تجعل منه ساحة لتصفية حسابات الآخرين.
فالسودان أولاً، ومصلحة شعبه فوق كل اعتبار.
ملاحظة تحليلية: الزيارة تمت في 29 و30 أكتوبر 2026. ومن المهم صحفياً عدم تقديم المنطقة الاقتصادية أو مشروعات التعدين والسكك الحديدية باعتبارها مشروعات بدأت بالفعل؛ فهي مقترحات طُرحت خلال اللقاء، وما زال الاختبار الحقيقي في تنفيذها
3نوفمبر 2026م
زين السودان تختتم حملتها للتوعية بسرطان الثدي ضمن أكتوبر الوردي 2026
اختتمت الشركة السودانية للهاتف السيار «زين» حملتها السنوية للتوعية بسرطان الثدي، ضمن فعالي…





