‫الرئيسية‬ مقالات زيارة البرهان… الثابت والمتغير
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

زيارة البرهان… الثابت والمتغير

إتجاه البوصلة. بقلم/الجزولي هاشم.

في السياسة الدولية لا توجد صداقات أبدية ولا خصومات دائمة؛ هناك مصالح تتغير، ودول تعرف كيف تحمي ثوابتها وسط عواصف المتغيرات”.

ليست مشاركة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في القمة الروسية الإفريقية الثالثة بموسكو، ولقاؤه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الكرملين، مجرد زيارة رئاسية تُضاف إلى سجل التحركات الدبلوماسية؛ إنها محطة تستحق قراءة تتجاوز البروتوكول إلى حسابات الجغرافيا السياسية، وتستدعي سؤالاً أكبر من اللقاء نفسه: كيف يقرأ السودان تحولات العالم، وكيف يحول موقعه وموارده وعلاقاته إلى قوة تحمي مصالحه وتصنع مستقبله؟

فالعالم لا يقف في انتظار أحد. خرائط النفوذ يعاد رسمها، وموازين القوة تتحرك، ومراكز التأثير تتعدد. الولايات المتحدة وروسيا والصين والقوى الأوروبية تتنافس على الأسواق والموارد والممرات الاستراتيجية، فيما لم تعد إفريقيا مجرد ساحة تتصارع فوقها القوى الكبرى، بل أصبحت شريكاً لا يمكن تجاوزه في معادلات الطاقة والغذاء والمعادن ومستقبل الاقتصاد العالمي.

وفي قلب هذه التحولات يقف السودان، لا بوصفه دولة تبحث عمن ينتشلها من أزماتها فحسب، بل باعتباره دولة تختزن من عناصر القوة ما يؤهلها لأن تكون شريكاً في صناعة المصالح الإقليمية والدولية.

هنا ينبغي أن تتغير زاوية النظر.

فالسودان ليس مجرد شاطئ على البحر الأحمر، ولا مجرد أرض زراعية شاسعة، ولا مجرد مخزون من الذهب والمعادن والثروة الحيوانية؛ إنه موقع جيوسياسي تتقاطع عنده مصالح إفريقيا والعالم العربي والبحر الأحمر، وتلتقي فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والتجارة والغذاء. لكن الجغرافيا، مهما بلغت قيمتها، لا تصنع قوة من تلقاء نفسها؛ القوة الحقيقية تبدأ حين تمتلك الدولة القدرة على توظيف جغرافيتها، وتحويل مواردها إلى نفوذ، وموقعها إلى شراكات، وإمكاناتها إلى مصالح متبادلة.

ومن هذه الزاوية تُقرأ زيارة موسكو.

إن لقاء البرهان وبوتين يحمل دلالات سياسية تتجاوز المجاملة الدبلوماسية، ويفتح نافذة للتفكير في مستقبل العلاقات السودانية الروسية، وما يمكن أن تحمله من فرص في مجالات التعدين والطاقة والزراعة والبنية التحتية وإعادة الإعمار. كما أن طبيعة المشاركة السودانية، بمستواها السياسي والاقتصادي والأمني، تعكس أهمية الملفات المطروحة وتعدد أبعاد العلاقة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على كل أسئلة الاحتفاء هو: ماذا يريد السودان من روسيا؟ وماذا تريد روسيا من السودان؟ وأين تلتقي المصالح، وكيف تُدار العلاقة بما يحفظ السيادة ويحقق المنفعة المتبادلة؟

هنا يبدأ التفكير الاستراتيجي، وهنا تحديداً يُختبر ذكاء الدبلوماسية.

فروسيا قوة دولية وازنة، ولها مصالحها وحساباتها وأولوياتها، والسودان كذلك يمتلك مصالحه وأوراقه الوطنية. وليس في السياسة عيب أن تتقاطع المصالح، بل العيب أن يدخل طرف إلى طاولة التفاوض دون أن يعرف قيمة ما يملك، أو أن يخلط بين الدعم السياسي والتنازل عن استقلال القرار.

الثابت في السياسة الدولية هو المصلحة الوطنية، والمتغير هو الحليف والشريك وأدوات النفوذ ووسائل تحقيق المصالح.

ومن لا يميز بين الثابت والمتغير قد يستبدل تبعية بأخرى، ويظن أنه وسّع خياراته بينما يكون قد ضيّق على نفسه مساحة القرار.

ليس المطلوب من السودان أن يستبدل محوراً بمحور، أو أن ينقل بوصلته من الشرق إلى الغرب، أو من الغرب إلى الشرق. المطلوب أن يفتح أبواب علاقاته على العالم كله، وأن يتعامل مع روسيا والصين والولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية والإفريقية بعقل الدولة التي تعرف ماذا تريد، وتعرف ماذا تقدم، وما الذي لا تقبل التفريط فيه.

لسنا مطالبين بأن نختار للعالم معسكراته، بل بأن نعرف كيف نختار للسودان مصالحه.

وهذه ليست دعوة إلى الحياد السلبي، ولا إلى الوقوف في منتصف الطريق، وإنما دعوة إلى استقلال القرار الوطني، وتنويع الشراكات، وبناء علاقات متوازنة لا تجعل مصير السودان رهينة لتقلبات التنافس الدولي.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدبلوماسية السودانية هو أن تتحول الزيارات إلى غايات، والبيانات إلى إنجازات، والوعود إلى بديل عن المشروعات. فالعبرة ليست بعدد اللقاءات التي تعقدها الدولة، وإنما بما يعود منها على حياة الناس، وبما تضيفه إلى اقتصادها وأمنها وقدرتها على النهوض.

نريد من علاقات السودان الدولية أن تفتح أبواب الاستثمار المنتج، وأن تسهم في إعادة بناء البنية التحتية، وتطوير التعدين، وتحديث الزراعة، وتأمين الطاقة، وتأهيل الموانئ والسكك الحديدية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا. نريد اتفاقيات قابلة للتنفيذ، وجداول زمنية واضحة، وشراكات تقوم على الشفافية وتبادل المنافع، لا مجرد عناوين براقة في دفاتر الدبلوماسية.

فالسودان الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى من يكتفي بالتعاطف معه، بل يحتاج إلى من يتعامل معه كشريك في صناعة المستقبل. ولا يحتاج إلى تصفيق العالم بقدر حاجته إلى استثمارات تعيد تشغيل المصانع، وتزرع الأرض، وتوفر فرص العمل، وتعيد للمواطن ثقته في أن لهذا الوطن غداً يستحق الانتظار.

وهنا تقع مسؤولية الدولة: أن تذهب إلى العالم بملفات جاهزة، ورؤية موحدة، وأولويات محددة، ومؤسسات قادرة على التفاوض والتنفيذ والمتابعة. فالموارد وحدها لا تصنع النهضة، والاتفاقيات وحدها لا تبني الدول؛ إنما تصنعها إرادة سياسية واعية، وإدارة مؤسسية كفؤة، وقدرة على تحويل الفرص إلى واقع.

إلى صانع القرار السوداني:

لا تجعلوا السياسة الخارجية أسيرة ردود الأفعال، ولا تقيسوا نجاحها بحرارة الاستقبال أو كثافة التصريحات. اجعلوا لكل زيارة عائداً وطنياً، ولكل اتفاقية مساراً تنفيذياً، ولكل شراكة ميزاناً يحفظ السيادة ويعظم المصالح. ابنوا علاقات مع الجميع، لكن لا تسمحوا لأحد أن يقرر نيابة عن السودان. فالدولة التي تعرف قيمة أوراقها لا تدخل العالم من باب الاستجداء، بل من باب الشراكة والندية والمصلحة المتبادلة.

أخيراً…

إن موسكو ليست نهاية الطريق، وإنما فرصة ينبغي أن تعرف الدولة السودانية كيف تقرأها وتستثمرها. ولقاء البرهان وبوتين لا ينبغي أن يُقاس بما حمله من رمزية سياسية وحدها، بل بما يمكن أن يفتحه من أبواب لمستقبل السودان.

لقد علمتنا التجارب أن الدول لا تسقط فقط حين تفقد مواردها، بل قد تخسر مكانتها حين تعجز عن إدارة ما تملك. وأن الجغرافيا التي لا تتحول إلى سياسة، والثروة التي لا تتحول إلى إنتاج، والعلاقات التي لا تتحول إلى مصالح، تظل فرصاً مؤجلة مهما عظمت قيمتها.

السودان لا تنقصه الأوراق، وإنما يحتاج إلى عقل استراتيجي يحسن ترتيبها، وقيادة تعرف كيف تلعب بها، ومؤسسات تحولها إلى قوة وطنية.

فالعالم لا ينتظر الدول المترددة، ولا يحجز مقاعده لمن يكتفي بمراقبة التحولات. ومن لا يحسن إدارة مصالحه يصبح جزءاً من حسابات الآخرين، لا شريكاً في صناعتها.

السودان يستحق أن يكون صانعاً لموقعه في العالم، لا مجرد باحث عن موقع في خرائط الآخرين.

مبروك للسودان وشعبه زيارة موفقة ولها مابعدها بإذن الله.

‫شاهد أيضًا‬

دار حمر قفل واحتفل 

القوات المسلحة ستظل شامخة رغم انف مسيرات الظلام   الاخبار من اول الصباح تبشر بانتصارا…