‫الرئيسية‬ مقالات الإعلام العربي واختبار السودان: من دبلوماسية البيانات إلى ممارسة السيادة
مقالات - ‫‫‫‏‫42 دقيقة مضت‬

الإعلام العربي واختبار السودان: من دبلوماسية البيانات إلى ممارسة السيادة

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

تمر المنطقة العربية بمرحلة مفصلية يعاد فيها تشكيل خارطة الأمن القومي والوعي الجمعي، ولا أدل على ذلك من التحديات الجسيمة التي يواجهها السودان في معركته الوجودية للحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه. إن ما يشهده الميدان اليوم لم يعد مجرد نزاع داخلي، بل تجاوز ذلك ليصبح تهديداً عابراً للحدود يُدار بأدوات عسكرية ولوجستية وإعلامية تتطلب موقفاً عربياً حازماً ومسؤولاً يضع حداً لتجاوز أمن الشعوب واستباحة مقدراتها.

إن المطالبة بموقف عربي صريح تجاه الهجمات التي تشنها الميليشيات المتمردة وانطلاقها من أراضٍ مجاورة، والدعوة لوقف كل أشكال الدعم المالي والعسكري واللوجستي للتمرد، تشكل الحجر الأساس في صيانة ميثاق جامعة الدول العربية واحترام سيادة الدول. فالدماء التي تسيل والوجع الذي يعصر الأجساد والقلوب في كل زاوية من أرض السودان هي دماء ووجع يمسّان بالضرورة الجسد العربي بأكمله. ولا يمكن بحال من الأحوال التغاضي عن الصوت الداعي لرفع أي يد تساهم في إطالة أمد الحرب واستباحة دماء الأبرياء.

وهنا يأتي الدور المحوري للإعلام العربي؛ فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للحدث، بل غدى ساحة رئيسية لـ “معركة الوعي” التي لا تقل أهمية وشراسة عن المعارك العسكرية والأمنية والاقتصادية. في عصر تتسابق فيه المنصات الرقمية وتتداخل فيه التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي مع الحملات الممنهجة للتضليل والشائعات، تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية العربية مسؤولية أخلاقية ومهنية تجعلها تتصدى لخطاب الكراهية والانتقائية والتضليل واختزال الأزمات. إن المطلوب اليوم هو بناء خطاب استراتيجي موحد وموثوق، يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية، ويقف سداً منيعاً أمام استهداف النسيج الاجتماعي والأخلاقي لأمتنا.

لقد أثبت التاريخ أن التضامن العربي حين يقتصر على الخطابات التقليدية ودبلوماسية البيانات والمجاملات يبقى دون مستوى التحديات. ومن هذا المنطلق، تتجلى أهمية الانتقال الفعلي من “التضامن شعاراً إلى التضامن ممارسة”، ومن البيانات الشكليّة إلى دبلوماسية المواقف والإنجازات. إن استحضار المحطات التاريخية الفارقة في مسيرة العمل العربي المشترك يذكّر الأمة دائمًا بأنها تمتلك من الإمكانات البشرية والاقتصادية والاستراتيجية ما يؤهلها لحماية مقدراتها وسيادة قرارها وصنع التأثير في التحولات الدولية.

إن المرحلة الراهنة تستوجب اعتماد استراتيجية إعلامية موحدة تنهض بتنسيق العمل الإعلامي العربي وتفعّل آليات التكاتف في مواجهة الأزمات. ويتطلب ذلك توسيع الشراكات بين المؤسسات الصحفية ووكالات الأنباء، والاستثمار في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز حضور المحتوى العربي عالمياً ودعم الإعلام المهني والإنساني الذي يدافع عن حقوق الشعوب ويصون تطلعاتها المشروعة نحو الأمن والاستقرار.

إن الرهان الحقيقي اليوم يتجسد في قدرة الأمة على الانتقال من تشتت الجهود إلى بناء قوة عربية مشتركة وحقيقية تدافع عن المصالح وتضمن استدامة المؤسسات وتصون مستقبل الأجيال القادمة. فمصير البلدان العربية مترابط لا يتجزأ، وأمن كل بلد هو امتداد مباشر لأمن أشقائه.

‫شاهد أيضًا‬

​مجلس نقابة المحامين يجتمع في الخرطوم ويصدر قرارات خدمية وهيكلية جديدة

​عقد مجلس نقابة المحامين السودانيين اجتماعه الدوري برئاسة الأستاذ زين العابدين محمد حمد، ن…