بيان الرباعية حول السودان: إعادة تدوير الأزمة تحت غطاء إنساني. قريب الله العوض

في خطوة تبدو للوهلة الأولى وكأنها انطلاقة جديدة لإنقاذ السودان، يصدر بيان الرباعية المكونة من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية،
ملقياً بظلال من التساؤلات أكثر مما يقدم إجابات حقيقية. هذا البيان، الذي يتظاهر بالقلق الإنساني والتطلع للسلام، لا يعدو كونه إعادة تدوير محكمة للأزمة السودانية، وتشكيلاً جديداً للمشهد السياسي يخدم في جوهره أجندات وهيمنة القوى الإقليمية والدولية،
متجاهلاً الإرادة الحقيقية للشعب السوداني ومتلاعباً بسيادته، تماماً كما سبق وأشرت في مقال سابق “الرباعية وألعاب الهيمنة: كيف يعاد تدوير الأزمة السودانية لخدمة أجندة الرأسمالية”.
يدعو البيان إلى هدنة إنسانية أولية تليها عملية انتقالية شاملة، لكنه في حقيقة الأمر يستخدم المعاناة الإنسانية للشعب السوداني كذريعة للتدخل وفرض جدول زمني مصطنع ومكثف، يُغفل تماماً التعقيدات الواقعية على الأرض ويحاول تسريع العملية السياسية دون ضمانات حقيقية للشمولية أو الاستدامة،
بل ويهدف إلى تحييد السودان كدولة فاعلة وحرة تملك قرارها. وفي الوقت الذي يؤكد فيه البيان أن مستقبل حكم السودان يقرره شعبه، نجده يفرض شروطاً مسبقة باستبعاد ما يسميهم “الجماعات المتطرفة أو المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين”،
وهي لغة فضفاضة وخطيرة تتيح له استبعاد أي قوى سياسية أو عسكرية لا تتماشى مع رؤيته وأجندته، حتى لو كانت جزءاً أصيلاً من التركيبة الاجتماعية والسياسية السودانية. الأكثر إثارة للريبة هو تجاهل البيان المتعمد لأي ذكر للمبادرات السودانية الخالصة أو آليات الحوار المحلية، بل يركز بشكل كامل على عمليات خارجية يقودها أطراف دوليون مثل “عملية جدة” و”منتدى القوى المدنية” في القاهرة،
مما يؤكد أن الأمر برمته هو تحضير جديد للمشهد السوداني تمهيداً للسيطرة عليه وليس تمكين أهله.
ولا يمكن قراءة هذا البيان بمعزل عن صراع النفوذ الإقليمي المستعر على أرض السودان، فوراء لغة الدبلوماسية الموحدة تختبئ خلافات عميقة بين أعضاء الرباعية أنفسهم.
فبينما تدرك مصر أن استقرار السودان ووحدته مسألة أمن قومي وجودي لها، تقف الإمارات العربية المتحدة على النقيض من ذلك، حيث تتهمها تقارير موثوقة بدعم مليشيا الدعم السريع عسكرياً ولوجستياً وتمويلياً، وهي الدعم الذي يغذي أتون الحرب ويمدها بأسباب الاستمرار والدمار. ومن الصادم أن يتجاهل البيان المشترك هذه الحقيقة الجوهرية عمداً، فلا يذكر أي إدانة واضحة وصريحة لهذا الدعم الخارجي المميت،
مما يكشف عن تواطؤ مريب وإرادة لعدم معالجة الجذر الحقيقي لأزمة استمرار القتال، وهو التمويل والسلاح الذي يصل للمليشيا. هذا الصمت المقصود هو إدانة بحد ذاته ويشير إلى أن بعض الأطراف الموقعة على البيان ليست جادة في البحث عن سلام حقيقي، بل تسعى إلى إدارة الأزمة وإطالة أمدها لتحقيق مكاسب جيوسياسية على حساب دماء السودانيين.
كما أن البيان يتجاهل بوضوح الشرعية الأفريقية والدولية القائمة، فهو لا يأتي على ذكر الاعتراف بمجلس السيادة الانتقالي أو الحكومة المدنية التي يدعمها الاتحاد الأفريقي بشكل واضح، بل ويدعو إلى عملية انتقالية جديدة لا يهيمن عليها أي من الأطراف المتحاربة، وهو ما يمكن تفسيره على أنه محاولة للالتفاف على الهياكل الدستورية القائمة ودفعها إلى زاوية الرفض والمقاومة، مما يفتح الباب أمام فوضى جديدة وإعادة تدوير لا نهائية للأزمة.
هذا النهج يتعارض بشكل صارخ مع الموقف الأفريقي الذي يؤكد على الحلول السودانية ويدعم الشرعية الدستورية ويشجب التدخلات الخارجية.
خلاصة القول إن بيان الرباعية ليس أداة للسلام، بل هو أداة للهيمنة وغطاء لإعادة تدوير الأزمة. إنه يستخدم لغة إنسانية كستار لمحاولات السيطرة على موارد السودان وموقعه الاستراتيجي،
ويُملي شروطاً تخدم مصالح خارجية على حساب مستقبل السودانيين. الحل الحقيقي يجب أن يولد من رحم الإرادة الحرة للشعب السوداني، بقيادة أفريقية واضحة ونزيهة، وبرفض قاطع لأي محاولة لإملاء الشروط أو فرض أجندة خارجية، والكف عن التمويل والسلاح الذي يغذي الحرب، بدءاً بإدانة واضحة وصريحة لدور الإمارات في دعم المليشيا التي تذيق الشعب السوداني الويلات.
التعليم العالي حينما تتحدي العزيمة استهداف الجنجويد
التعليم لايتنظر التأجيل هي عبارة كسرت حواجز التعذر بشماعة الحرب وتعطيل الدراسة تجاوزته إدا…





