فتاوى على أبواب جهنم… حين يُستغلّ النص لتبرير سفك الدماء د. محمد فضل البديري

حينما يختلط صوت الرصاص بنداء الفجر، وحين تُستباح بيوت الله في لحظة السجود، تدرك أن الفاجعة تجاوزت حدود الجريمة إلى خيانة النصوص وتزييف الدين. والأدهى من ذلك أن ينبري من يزعم حمل لواء الدعوة ليجعل من نصوص الوحي مطيّةً لتبرير الباطل وتلميع الدم المراق.
*في فاشر السلطان، وأثناء وقوف المسلمين بين يدي الله ركّعًا سُجّدًا في صلاة الفجر، باغتتهم مسيرات الجنجويد ورصاصاتهم، فحوّلت سجودهم دماءً، ودعاءهم أنينًا. ولم تقف المأساة عند حدود قتل أكثر من سبعين مصلّيًا أبرياء، بل خرج رجل — يقال إن اسمه عيسى — يزعم أنه «داعية» ليغطي هذه الجريمة بلباس الفتوى، مستندًا إلى نصوص منزّهة عن العبث، مسخّرًا إيّاها في خدمة مشروع سياسي مريب.*
وكان الأجدر بمن يرفع راية الدعوة أن يكون ناطقًا *بلسان القرآن والسنة، فإذا به يصطفّ خلف مجموعة “تأسيس” التي اتخذت العلمانية منهجًا، وحشدت حولها دعاة إقصاء الشريعة. فغدا هذا الرجل مثالًا للمغفَّل النافع، يلوّح بشعار الدين ويسخّر نصوص الوحي لتلميع أجندة لا تمتّ للإسلام بصلة، بل تناقضه، كل ذلك انتصارًا لعصبية قبلية جعلت دم المسلم رخيصًا. فبِئس أخو العشيرة!*
وقد استند إلى نصوص أُخرجت من سياقها، منها:
1. حديث فتح مكة: «أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة، فقال النبي ﷺ: اقتلوه»[^1].وهذا خاص بأشخاص من الكفار المحاربين الذين اشتدّ عداوهم، لا حكم عام يُسقط على مدنيين مسلمين قائمين لله في صلاتهم.
٣. آية مسجد الضرار، قال تعالى:﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 107–108][^2].
فهدمه كان لأنه شُيّد على الكفر والتآمر وتفريق المؤمنين، لا لأنه مجرّد مسجد، فأين هذا من بيتٍ تُقام فيه صلاة الفجر بخشوع وإخلاص كما هو الحال في مسجد الفاشر؟
غير أن هذا المغفَّل النافع أعرض عن نصوصٍ قاطعة في حرمة الدماء، منها قول النبي ﷺ:
1. «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام…»[^3].
2. «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم»[^4].
3. «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة»[^5].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: 114][^6].
فإن كان هذا المغفَّل النافع يظن أن ما يفعله «سياسة»، فقد أخطأ؛ إذ السياسة الشرعية جزء من الدين، لكنها لا تُبرّر الظلم ولا تُحلّ سفك الدماء. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية نصًا في السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (ص 15): «فغاية الإمامة أن تكون الدين لله، وتكون كلمة الله هي العليا، فإن المقصود بالولاية إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهي مقصودة تبعًا لا استقلالًا، فإن الدنيا بلا دين فاسدة، والدين بلا دنيا لا يقوم.»[^7]
وانتماء «تأسيس» إلى العلمانية لا يُسوّغ إلباسها لباس الإسلام، ومن سخّر علمه لتجميلها فقد شاركها في الوزر، وكان شريكًا معنويًا في دماء نحو سبعين مسلمًا أُزهقت ظلمًا.
ولا ندري ماذا سيقول هذا المغفَّل النافع لله عز وجل يوم يلقاه؟ هل أعدّ للسؤال جوابًا، وللجواب صوابًا؟ لقد جعل من نصوص الوحي رصاصًا، ومن منابر الدعوة سلالم للقتل، ومن الدين جسورًا للقبلية والعَلمانية.
وستبقى دماء المصلّين في الفاشر شاهدةً عليه حتى يلقى الله الذي قال:﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281][^8].
*إن أخطر ما يُبتلى به المسلمون أن تتحوّل النصوص الشرعية إلى مطايا لأهواء الساسة وأدوات بيد دعاة الفتنة. وقد حذّر النبي ﷺ من قوم «يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»[^9]. فالحذر الحذر من الاغترار بمثل هذه الفتاوى المسيسة، والواجب الرجوع إلى العلماء الربانيين الذين يزنون *الأمور بميزان الشرع، ويحفظون للدين مكانته وللدماء حرمتها.*
*إن دين الله طاهر نقي، لا يُلبس* *رداء القبيلة ولا تُشوَّه سمعته بشعارات العلمانية، وسيبقى شاهدًا على كل من حرّف أو زيّف أو استغلّ نصوصه يوم يقوم الناس لرب العالمين.*
*الحواشي*
[^1]: صحيح البخاري، كتاب الجهاد، حديث (1846)؛ وصحيح مسلم، كتاب الحج، حديث (1357). [^2]: سورة التوبة، الآيتان (107–108). [^3]: صحيح البخاري، كتاب العلم، حديث (1739)؛ وصحيح مسلم، كتاب القسامة، حديث (1679). [^4]: سنن النسائي، كتاب تحريم الدم، حديث (3987)، وصحّحه الألباني في صحيح النسائي. [^5]: صحيح البخاري، كتاب الجزية، حديث (3166). [^6]: سورة البقرة، الآية (114). [^7]: ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تحقيق علي بن محمد العمران، ص (15). [^8]: سورة البقرة، الآية (281). [^9]: صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، حديث (3610)؛ وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، حديث (1064).
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





