صرخة دارفور في قلب باريس: عندما تكسر الحقيقة جدار الصمت الدولي
شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
لم تكن قاعة اللقاء التضامني في بورتسودان مجرد مساحة لتبادل عبارات المجاملة الدبلوماسية، بل تحولت إلى منصة لمحاكمة الضمير العالمي، حيث تجسدت مأساة إقليم دارفور في شهادات حية، نقلت الواقع المرير من أزقة الفاشر والجنينة المضمخة بالدماء إلى دفاتر ملاحظات وفد برلماني أوروبي رفيع المستوى. إن هذا اللقاء يمثل اختراقاً حقيقياً في جدار التعتيم الذي حاولت القوى الداعمة للمليشيات المتمردة فرضه على المشهد السوداني، ليضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
إن ما حمله الوفد البرلماني الفرنسي في حقائبه ليس مجرد تقارير جافة، بل هي صرخات نساء اغتُصبت كرامتهن، وأنين أطفال فقدوا ذويهم في رحلات النزوح القسري، وشهادات أطباء رأوا مستشفياتهم تتحول إلى ركام تحت قصف المليشيا الغادر. لقد استمع العالم، عبر ممثلي الشعب الفرنسي، إلى تفاصيل مروعة عن تطهير عرقي ممنهج، وإبادة جماعية لم تفرق بين طفل ومسن، وعن نهب وتدمير للمرافق الصحية التي كانت الملاذ الأخير للموجوعين.
لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن الواقع السياسي والميداني؛ فالرسالة التي انطلقت من هذا اللقاء واضحة وجلية: إن سياسة الإفلات من العقاب هي الوقود الذي يغذي استمرار المحرقة في السودان. فبينما يكتفي مجلس الأمن بإصدار قرارات تظل حبراً على ورق -كما حدث في القرار 2736 الخاص بفك الحصار عن الفاشر- تواصل المليشيات المدعومة بالمال والسلاح الإقليمي ارتكاب فظائع. إن المطالبة بالمحاسبة الدولية ليست ترفاً سياسياً، بل هي المسار الوحيد والضروري لتحقيق عدالة انتقالية تضمن ديمومة السلام وتمنع تكرار المآسي.
إن كشف دور القوى الخارجية التي تمول آلة القتل بالسلاح، ووضعها في مواجهة الحقائق الدامغة التي قدمها الشهود، يضع الدولة الفرنسية والاتحاد الأوروبي برمته أمام اختبار حقيقي: هل ستنتصر المبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان التي يتغنى بها الغرب، أم ستغلب المصالح الجيوسياسية على دماء الأبرياء؟
لقد أكدت الإفادات الحية أن الحرب في السودان ليست مجرد نزاع على سلطة، بل هي معركة وجودية ضد مخططات تستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي السوداني وتهجير سكانه الأصليين. ومن هنا، يبرز صمود أهل الفاشر وتلاحم المكونات الشعبية كحائط صد أخير ضد بربرية المليشيا. إن التزام الوفد الزائر بنقل هذه الحقائق إلى المؤسسات الأوروبية يعد خطوة إيجابية، لكنها تظل غير كافية ما لم تتبعها إجراءات عقابية رادعة ضد المليشيا وداعميها، وزيادة حقيقية في المساعدات الإنسانية التي أقرت باريس نفسها بأنها لا تزال دون مستوى الاحتياج الكارثي.
إن العدالة لضحايا دارفور والخرطوم وود النورة هي المفتاح لتعافي الدولة السودانية. فبدون محاسبة مرتكبي جرائم الحرب، وبدون إرجاع المختطفين والأسرى، سيظل السلام سراباً. إن صوت الضحايا الذي دوى في آذان البرلمانيين الفرنسيين يجب أن يتحول إلى فعل دولي ضاغط، ينهي حقبة “الإفلات من العقاب” ويؤسس لسودان موحد، يسوده القانون وتُصان فيه كرامة الإنسان، بعيداً عن أطماع المليشيات العابرة للحدود وأوهام التوسع العرقي.
البرهان بين الشجاعة والمسؤولية
منذ الساعات الأولى لاشتعال الحرب في السودان ظل الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان حاضرا في …





