‫الرئيسية‬ مقالات النقد السياسي؛ من فضاء البناء إلى ساحة التصفية : قريب الله العوض
مقالات - أكتوبر 2, 2025

النقد السياسي؛ من فضاء البناء إلى ساحة التصفية : قريب الله العوض

في عالم السياسة، لم يعد النقد أداةً للبناء والمراجعة، بل تحوّل إلى سلاحٍ للهجوم والتصفية السياسية. ولم يعد النقاش يدور حول جودة المشاريع السياسية أو فاعليتها، بل أصبح يختزل في هوية الخصم وتوجهه الحزبي ومرجعياته الفكرية. وليست هذه الظاهرة الخطيرة وليدة الصدفة، بل هي تعبير عن أزمة أعمق في الممارسة السياسية المعاصرة؛ حيث يتحول الاختلاف من ثراء إلى تهديد، ويُستبدل الحوار بالتحريض، وتغيب الموضوعية لصالح التعصب الأعمى.

 

يُعد ضعف المشروع السياسي ذاته أحد الأسباب الجوهرية لهذه الظاهرة. فعندما يفتقد السياسي أو التيار رؤيةً واضحة أو برنامجاً عملياً مقنعاً، يسهل عليه التحول إلى استهداف الخصوم شخصياً كاستراتيجية لإخفاء هذا العجز. وهكذا يصبح الهجوم ذريعةً يتحصن خلفها مَن يخشى المواجهة الفكرية العادلة على أرضية الأفكار، ويمكن اتخاذ معمر موسى نموذجاً لهذا السلوك.

 

ولا يقتصر هذا المسلك على عالم السياسة فحسب، بل يتسرب إلى الإعلام الذي يفترض أن يكون رقيباً نزيهاً. لكنه يتحول في كثير من الأحيان إلى منصة للصراع الشخصي وتمرير الأجندة ، عوضاً عن كشف الوقائع وتحليلها، مما يزيد الأزمة تعقيداً، وهنا يحضر نموذج الإعلامي أحمد طه.

 

ويظل “الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة” هو الوقود الذي يغذي هذه الآفة. فالنسبية هي سيدة الموقف في الشأن العام، حيث لا يملك أحد كل الحقيقة ولا يجهلها كاملةً. والاستعداد لمراجعة المواقف باستمرار هو جوهر السياسة الرشيدة. لكن بعض السياسيين وأنصارهم، بدافع من الغرور أو التعصب، يرون أنفسهم وحدهم أصحاب الحق والمشروعية، بينما يتحول الآخر المختلف إلى مجرد خصم يجب إسكاته. وهذا المنطق يلغي أساس العمل السياسي الحقيقي القائم على قبول الآخر والاعتراف بحقه في الوجود والاختلاف، ويحول النقاش من سجال فكري إلى حرب هويات.

 

وفي الختام، فإن تحويل النقد السياسي إلى هجوم شخصي قائم على الانتماء، هو دليل على خواء فكري وأزمة مشروعية. وليس هذا المؤشر دليلاً على قوة مَن يمارسه، بل هو اعتراف ضمني بالضعف وخوف من مواجهة الحوار الموضوعي. إن تجاوز هذه الآفة يتطلب نضجاً ثقافياً ووعياً سياسياً يرفض الاختزال والتبسيط، ويعيد للسياسة روحها كفن لإدارة الاختلاف، لا إلغائه.

‫شاهد أيضًا‬

الكرمك… عدوان مكتمل الأركان وصمت لا يُغتفر

ما جرى في الكرمك بولاية النيل الأزرق لا يمكن وصفه باشتباك عابر أو تطور ميداني طبيعي في سيا…