‫الرئيسية‬ مقالات حكايتي مع التماثيل والصور
مقالات - ‫‫‫‏‫20 ثانية مضت‬

حكايتي مع التماثيل والصور

عادل عسوم

كم أجد نفسي وقافا بين يدي هذه الآية الكريمة من سورة المائدة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 90

السبب في ذلك ربط الخالق جل في علاه الأنصاب والأزلام بالخمر!

فالخمر، كل ما خامر العقل فغطاه وعوقه عن عمله، والأنصاب تشير إلى الحجارة التي نصبها العرب عند أصنامهم التي يعبدونها لتذْبَح عليها الذبائح تقربا للصنم، قال تعالى:

﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ المعارج 43، وقال الله جل في علاه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾المائدة 3، وقد يقال في جمعه: أنصاب وقال تعالى: ﴿وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ المائدة 90.

أما الأزْلام فمفردها (زَلَم) وهو السَّهم الذي لا ريشَ عليه، وكان أهل الجاهلية يَسْتقسِمُون بالأزلام حيث يكتبون عليها الأمر والنَّهْي ويضَعونها في وِعاء فإذا أراد أَحَدُهُم أمرًا أدخَلَ يَدَه فيه وأخرَجَ سَهْمًا فإن خَرَجَ ما فيه الأمر مَضى لِقَصدِه، وإن خرج ما فيه النهي كَفَّ وعدل عنه!.

والميسر هو القِمار، وقد نُقِل عن الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّه قال: (الميسر القمار)، بينما يرى آخرون أنّ القمار أعمُّ من الميسر؛ لأنّ المقامرة يدخل فيها كلّ ما يندرج تحت المخاطرة، وكان القصد منه المُغالبة وتحصيل الربح المادي في الألعاب؛ فأيّ لعبة جرت بين اثنين واحتوت على المخاطرة والمغالبة تكون من باب القمار، وقيّدوه أيضاً بما كانت تفعله العرب قبل الإسلام من اللعب بالقداح، أو الجزور التي كانوا يشترونها بثمن مُؤجَّل، ويقسمونها إلى ثمانية وعشرين قسماً، ويجرون المقامرة على هذه الأقسام، والفائز يأخذ اللحم، والخاسر يُغرَّم الثمن.

والميسر -أيضا- له تأثيره على العقل، إذ يجمع الناس بأن الذي يسعى إليه لايستطيع الانفكاك عنه، وكأنه يصبح مخامرا للعقل تماما كالخمر، فيسلم المرء ويضطره إلى سلوك وأفعال تنافي العقل الرشيد!

ونخلص إلى لفظ (الرجس)، فمن من معانيه في اللغة الحبس والتعويق وهو كذلك المستقذر القبيح من العمل.

ولعل الآية التالية للآية موضوع المقال تفسر لنا مراد الشيطان من هذا الرجس المؤثر والمعوق لعقول المؤمنين:

{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} المائدة91

فالقياس هنا على الخمر، وهي التي أتى أمر الله باجتنابها بصورة قاطعة بعد ان تدرج في تحريمها من قبل، قال الله جل في علاه:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ….} النساء 43

فالقياس على الخمر مرهون بالآتي:

1- إيقاع العداوة والبغضاء (وهذا مرتهن بالعقل).

2- الصد عن ذكر الله والصلاة (وذلك أيضا مرتهن بالعقل لدى المؤمن المميز).

فالخطاب هنا للمؤمن، والمؤمن حري به ان يكون مسلِّما أمره لله ولايشغله عن ذلك ماينأى به عن إلاخبات إليه من صوارف توحيده وطاعته، والمعلوم أن العقل في الإنسان مناط التكليف، بغير الحيوان الذي يعتمد على الغريزة، وهنا فإن الله جل في علاه يريد لنا بأن نحفظ عقولنا من ان يتغول عليها كل مايخامرها فينأى بها عن الاستقامة على أمره، لنحقق المراد منا خلال حراك حياتنا الدنيا دون إشراك بالله:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}. النساء 116

فالأصنام والأزلام ليست حجارة فحسب، إنما هي ثقافة وتديّن ونمط انتماءٍ وعيش، وهي استلاب من الدرجة الأولى، لقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال في قوله تعالى:

{وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} نوح 23

قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم عُبدت)

قال ابن القيم رحمه الله: “قال غير واحد من السلف، لمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم حال الأمد فعبدوهم، فحينئذ وقع الشرك في الخلق، ولم يكن معروفًا من قبل:

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} البقرة213

سأحكي عن زيارة عمل لي إلى فرنسا وما تبينته خلالها من تأثير المجسمات والأصنام!

وصلتُ الى باريس فوجدتها مدينة تحتلها التماثيل.

قلت لنفسي وأنا اشاهد كمّ تلك التماثيل التي تكاد تزاحم الناس -حتى- في غرف نومهم:

-لأن كان الشيطان قد تقمص صورة ثمثال جان دارك في العديد من الدول الأوربية؛ فإنه لعنه الله يتقمص كل شئ في فرنسا!

هؤلاء الفرنسيون أخالهم لم يَدَعوا إسماً من أسماء نجوم المجتمع فيهم الاّ صنعوا له تمثالا ونصبوه في الطرقات،

وهم في كل ذلك قومٌ يتغشّى التبرج فكرهم وأدبهم، ويتعداه فيطال كل منتوجهم الصناعي، ومن يريد التأكد عليه التمعن في شكل وهيئة المنتجات الفرنسية:

تفاصيل المباني ان كانت منازل أو مكاتب…

تفاصيل الملابس لديهم…

أشكال أثاث المنزل…

اشكال المكانس المنزلية (الهوفر)…

تفاصيل نوافير المياه وماحولها من أشكال…

ووجدتهم يؤنثون كل شئ، حتى أشكال السيارات وتفاصيلها من الخارج والداخل ودونكم جميلتهم البيجو (الانثى)!

والفرنسيون في ذلك ليسوا استثناء عن بقية الشعوب الأوربية، لكنني وجدت ولعهم بذلك أكثر…

ودوننا ثقافة تماثيل الشمع التي أضحت أصلا يتمم مراسم التكريم للشخوص في الغرب بأجمعه، ولعل للأمر جذور لاتنفك عن حياتهم الدينية والروحية، اذ كيف لا يكون للصور والتماثيل تاثيرٌ عليهم والناس هناك يبتدرون أيام الأسبوع بالتطلع (حُبّاً) الى صور وتماثيل (جيسس) المصلوب وكذلك ميري، -ولا اقول المسيح ومريم العذراء- على جدران الكنائس كل يوم أحَد!

على عيسى ومريم العذراء السلام.

ولا أخال أيما بشر يلج الى كنيسة فيري صورة أو تمثالٍ لجيسس المصلوب الاّ وتهتز مشاعره رهبة، ولا أنكر بأنني قد اكتنفني ذلك الأحساس -الرجس-عندما دخلت إلى الكنيسة يوما من باب حب الاستطلاع، وكذلك عندما زرت أمريكا وشاهدت تماثيل رؤس رؤساء أمريكا الأربع ابراهام لينكون وثيودور روزفلت وتوماس جيفرسون وجورج واشنطن خلال وجودي في مدينة كيستون، وقد زرتها خلال رحلة عمل بولاية داكوتا الجنوبية وذلك قبيل أحداث 11سبتمبر بأشهر قليلة…

وإن نسيت فلا أخالني أنسَ البتة ماحدث لي مع تمثال (آيروس) الكائن في ساحة بيكاديللي في مدينة لندن الانجليزية، حيث كانت نافذة غرفتي في فندق (رويال كراون) تطل علي التمثال مباشرة، وقد اكتنفني احساس بالضيق وعدم الراحة منذ أن رأيت هذا التمثال مساء أول يوم لي في ذلك الفندق وأنا انظر خلال نافذة غرفتي، وفي منتصف الليل؛ إذا بطرق عنيف على واجهة النافذة، فنهضت من نومي فزِعا واتصلت بالاستقبال وأخبرتهم بالأمر، ولم يتأخر مسئول الأمن الذي أتاني مسرعا وفتح النافذة، فإذا بنا نجد غُربانا (جمع غراب) قبيحة الشكل ونتنة الرائحة تتجمع كلها على رأس التمثال، وقد حط بقيتها على نافذة غرفتي وبعض النوافذ الأخرى بالجوار، نظرت إلى التمثال -الذي تنعكس عليه أضواء لوحات اعلانات كبيرة محيطة به شذرا، فابتسم مسئول الأمن:

-ياسيدي هذا التمثال يرمز الى إله الحب!

تمنيت حينها أن يعيرني إبراهيم عليه السلام ذات الفأس التي حطم بها أصنام قومه لأفعل بتمثال آيروس مافعله عليه السلام بتماثيل قومه….

وعلى ذكر الصور والتماثيل اقول بأنني لم أنس البتة صورة للسيد علي الميرغني نشأتُ فوجدتها معلقة على جدار منزل جدي وعلي دعسوم، ويالتلك الصورة…

لم أزل أتذكر تفاصيلها خلال يفعي وكأنها أمامي الآن،

الشال الملفوف حول عنق السيد علي الميرغني بعناية…

والنظرة!…

يالها من نظرة!

انها نظرة ان خلتها باسمة فهي كذلك، وان خلتها غير ذلك فهي كذلك،

ترفع بصرك إلى الصورة فتخالها تراقبك، فتتغشاك الرهبة من شعر رأسك الى أخمص قدميك، ولا أدري لِمَ تذكرت حال امرأة العزيز -وهي تراود يوسف عليه السلام- ووضعت خرقة على عيني تمثال بجوار فراشها خشية منه وحياء للذي تنوي فعله، فإذا بنبي الله يوسف عليه السلام يقول لنفسه:

-ذاك لعمري برهانٌ بأنّ ربي أولى بأن أتّقيه…

ثم تذكرت علماء قوم نوح السبعة الذين رحلوا إلى ربهم؛ وإيعاز من ابليس لعنه الله نصب الناس لهم (صورا) في الساحات للذكرى، ثم أقنعهم الشيطان بإحالة الصور إلى تماثيل لتصبح المدخل الى عبادة الأصنام في الشام، ثم جاء ابوسفيان من مكة زائرا ليأخذ منها صنما وينصبه بجوار الكعبة…

هذه التماثيل لاتنفك عن الشيطان، وأكاد أجزم بأنه لعنه الله يتقمصها ويدخل فيها بغية التأثير على بني آدم، كيف لا وهو القائل:

{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)}الاعراف.

وأعود إلى فرنسا وأقول:

ان فرنسا من أهدت تمثال الحرية الى أمريكا، فظاهرة التماثيل كانت ولم تزل ممارسة يومية لأهل تلك البلاد، لقد وجدت مدير الشركة التي زرتها وهو ستيني فرنسي يحمل (دلاية مفاتيح) على شكل صنم شكله غريب جدا، إنه مصنوع على شكل رجل ترى صدره ثم عجزه فقط، ولا تكاد ترى شيئاً يربط أو يصل مابين الصدر والعجز، وهذا الصنم الملحق بدلاية مفاتيحهه لايكاد يفارق أصابع يديه، تجده ينظر إليه ويتحسسه دوما طوال يومه…

لقد حرم الإسلام إقامة التماثيل للزعماء والرؤساء أو المفكرين والعلماء،

وحرم الصور (المجسمة) للكائنات الحية مثل الإنسان أو الحيوان، وتزداد حرمتها إذا كانت لنبي أو مخلوق معظم.

فالإسلام يحرص على حماية التوحيد وكل ما له مساس بعقيدة التوحيد يسد الأبواب إليه.

بعض الناس يقول: هذا كان في عهد الوثنية وعبادة الأصنام أما الآن فليس هناك وثنية ولا عبادة للأصنام، وهذا ليس بصحيح، فلا يزال في عصرنا من يعبد الأصنام، فلماذا ننكر الواقع؟ هناك أناس لا يقلون عن الوثنيين في شيء، تجد التاجر يعلق على محله (حدوة حصان) مثلاً، أو يضع في سيارته شيئًا يوقن بأنه سيحميه أو يجلب اليه الخير، فالناس لا يزالون يؤمنون بالخرافات، والعقل الإنساني فيه نوع من الضعف ويقبل أحيانًا ما لا يصدق، حتى المثقفون يقعون في أشياء من أبطل الباطل ولا يصدقها عقل إنسان أمي، وذلك لعمري نتاج تأثير ابليس الذي قال لأقعدن!

الإسلام احتاط وحرَّم كل ما يوصل إلى الوثنية أو يُشَم فيها رائحة الوثنية ولهذا حرم التماثيل، ولم يبح من التماثيل إلا ألعاب الأطفال فقط، وما عداها فإنه محرم، وعلى المسلم أن يتجنبه.

آمنت بالله.

adilassoom@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

أن أوان البرلمان

لقد اتضح جليا الدور المتعاظم لضرورة قيام البرلمان إثر صدور قرار تكوين هيئة للنزاهة ومكافحة…