مستشفى أمبدة… حين يتحول باب الحياة إلى بوابة للموت
مسارات. د.نجلاء حسين المكابرابي

في وطنٍ أنهكته الحرب، وظل المواطن السوداني فيه يقاوم الموت بكل أشكاله، يبقى الأمل الأخير معلقًا على المستشفيات باعتبارها أماكن للنجاة لا ساحات للفقد. لكن ما يحدث داخل مستشفى أمبدة يفتح جرحًا جديدًا في جسد المواطن المرهق، ويطرح سؤالًا مرعبًا: هل أصبحت بعض المستشفيات أخطر على الناس من الحرب نفسها؟
في واحدة من أبشع الصور الإنسانية، تدخل امرأة إلى المستشفى بكامل عافيتها، تحمل بين ضلوعها فرحة أسرة كاملة تنتظر مولودًا طال انتظاره تسعة أشهر. تدخل وهي تحلم بسماع أول صرخة لطفلها، لكن أهلها يُفجعون بخبر خروجها جثمانًا هامدًا إلى المشرحة.
أي كارثة هذه؟
أي وجع يمكن أن يصف لحظة تحوّل الزغاريد إلى صراخ؟ وتحول انتظار المولود إلى مراسم عزاء؟
الأكثر إيلامًا أن الحادثة لم تكن الوحيدة، فهناك حالة أخرى تقاتل الآن داخل العناية المكثفة بأحد مستشفيات القطاع الخاص، بعد أن تم تحويلها في سباق مع الموت، بينما تنهش التكاليف الباهظة أسرًا لم تترك الحرب في جيوبها شيئًا.
هنا لا نتحدث عن خطأ عابر، نتحدث عن أزمة ثقة كاملة في المنظومة الصحية، وعن حالة من الرعب الحقيقي باتت تسكن قلوب الأمهات وأسرهن كلما اقترب موعد الولادة.
السيد والي ولاية الخرطوم…
أهل أمبدة اليوم لا يطلبون المستحيل، هم يصرخون طلبًا للحياة. يطالبون بتحقيق عاجل وشفاف يكشف للرأي العام ما الذي جرى داخل المستشفى؟ ومن المسؤول؟ وهل توجد كوادر كافية؟ وهل غرف العمليات مجهزة؟ وهل تتم متابعة الحالات وفق المعايير الطبية المطلوبة؟ أم أن أرواح الناس أصبحت مجرد أرقام تُدفن في صمت؟
إن الصمت على هذه الكارثة خيانة أخلاقية قبل أن يكون تقصيرًا إداريًا.
الحرب قتلت السودانيين بالقذائف والرصاص، لكن الكارثة الأكبر أن يفقد المواطن حياته داخل مؤسسة يفترض أنها خُلقت لإنقاذه. فحين يصبح الذهاب إلى المستشفى مغامرة قد تنتهي بالمشرحة، فإن الأمر يتجاوز حدود الإهمال إلى جريمة تستوجب المحاسبة.
يا سعادة الوالي…
أنت ابن أمبدة، وتعرف جيدًا حجم المعاناة التي يعيشها أهلها، وتدرك أن المواطن هناك يقاتل يوميًا من أجل البقاء. لذلك فإن هذه القضية ليست مجرد حادثة وفاة، هي ناقوس خطر يتطلب تدخلك المباشر، وقرارات عاجلة تحفظ أرواح النساء والأطفال.
إن أهل أمبدة لا يريدون بيانات باردة، ولا وعودًا مؤجلة، بل يريدون:
لجنة تحقيق مستقلة وفورية.
إعلان نتائج التحقيق للرأي العام.
محاسبة أي جهة يثبت تقصيرها.
مراجعة شاملة للخدمات الصحية بالمستشفى.
توفير الكوادر والمعدات المنقذة للحياة.
وقف نزيف التحويلات المكلفة إلى القطاع الخاص.
إن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في العلاج الآمن، وحق الأم في أن تعود إلى بيتها حاملة. طفلها لا أن تُحمل على الأكتاف إلى المقابر.
أهل أمبدة اليوم مكلومون… لكنهم أيضًا غاضبون، ولن يصمتوا على دمٍ أريق داخل جدران يفترض أنها خُلقت لحماية الحياة لا لاصطياد الأرواح.
حكايتي مع التماثيل والصور
كم أجد نفسي وقافا بين يدي هذه الآية الكريمة من سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُ…





