خواطر ابن الفضل عندما يَستبدّ الرأي وتَغيب الحجة… ينهزم العقل وتضيع المروءة د. محمد فضل محمد

من طبيعة البشر أن يختلفوا، لكن غير الطبيعي أن يتحوّل الاختلاف إلى استعلاء، وأن يتوهّم بعض الناس أن آراءهم حقٌّ مطلقٌ لا يأتيه الباطل، دون أن يحملوا دليلًا أو يستندوا إلى حجة. والأسوأ من ذلك أن يريدوا إلزام الآخرين بما يرونه، وكأن العقول وُجدت لتسير خلف رأي واحد.
والحقيقة أن الرأي بلا برهان مجردُ هوى، والهوى إذا لبس ثوب الحكمة أفسدها؛ ولذلك قال الإمام الشافعي:
«ما ناظرتُ أحدًا إلا أحببتُ أن يُوفَّق ويُسدَّد، وما ناظرتُ أحدًا إلا وددتُ ألا يُخطئني»،
وقال كلمته الباقية:
«رأيي صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأٌ يحتمل الصواب».
هذا هو أدب الخلاف؛ رأيٌ يَتّسع، وقلبٌ يَتسامح، ونفسٌ تعرف قدرها.
وليس التعصب للرأي جديدًا؛ فقد سجَّل القرآن نموذجًا للطغيان الفكري عندما أعلن فرعون رأيه كأنه الحقيقة المطلقة، فقال:
﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].
إنها ذروة الاستبداد؛ رأيٌ فردي يُقدَّم كأنه وحيٌ سماوي، وكأن الناس خُلِقوا ليُصادقوا على رؤيته دون نقاش.
وما أشبه من يتعصّب لرأيه اليوم بتلك الروح الفرعونية التي تريد أن تُخضِع العقول لزاويتها الضيقة، وتحول الخلاف إلى تبعية قسرية.
وقد حذّر القرآن من أن يتحول الخلاف إلى ظلم، فقال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
فالخلاف لا يجيز الظلم، ولا ينقض قيمة العدل، ولا يسمح بتحقير الآخرين أو مصادرة آرائهم.
والنبي ﷺ رسم قاعدة ذهبية للتعامل فقال:
«المؤمنُ يألفُ ويُؤلَف، ولا خيرَ فيمن لا يألفُ ولا يُؤلَف».
فالإنسان الذي يَضيق صدره عن المخالف، ويفقد القدرة على استيعاب الناس، يخسر أجمل ما في الإنسانية من سعةٍ ولُطف.
إن بعض الناس يجعل من اختلافٍ صغير شرارة قطيعة، ومن رأي غير مسنود دليلًا على خصومة! وهذا خلل في الفقه قبل أن يكون خللًا في الخلق؛ فالخلاف لا يهدم العلاقات إلا عند من لم يتهذّب قلبه، ولم تُربَّ نفسُه على الحكمة.
دعوا الحياة تسير ببساطتها ونقائها؛ لا تُحمّلوا الكلمات ما لا تحتمل، ولا تجعلوا الظن السيئ ميزانًا للحكم على الناس.
ولا يعني خلافك مع أحد، أو عدم ميل قلبك إليه، أن تظلمه أو تنقصه حقه؛ فالعدل لا يُمنَح بحسب الودّ والبغض، بل بحسب التقوى والإنصاف.
وفي الختام يبقى الرأي نسبيًا، والحجة وحدها هي الفاصلة.
ويبقى الخلاف طبيعيًا، لكن الظلم انحراف، واحتقار الناس سقوط، وفرض الرأي على الآخرين تَشبُّهٌ بروح من قال:
﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾،
وهو نقص في المروءة قبل أن يكون ضعفًا في العقل.
إن القوة الحقيقية ليست في الانتصار للرأي، بل في القدرة على احترام الرأي الآخر… دون أن نُفرّط في الحق، ولا نقع في الظلم.
خطاب الكراهية جراحٌ وتهديدٌ لمستقبل الدولة
من أخطر ما خلفته الحرب في السودان، إلى جانب الدمار المادي والانهيار الاقتصادي والنزوح الوا…





