‫الرئيسية‬ مقالات شئ للوطن م.صلاح غريبة التسامح: شريان الحياة في السودان المتنوع
مقالات - نوفمبر 16, 2025

شئ للوطن م.صلاح غريبة التسامح: شريان الحياة في السودان المتنوع

Ghariba2013@gmail.com

في خضم التحديات والتقلبات التي يمر بها السودان، يكتسب الاحتفال باليوم الدولي للتسامح (16 نوفمبر) أهمية قصوى. هذا اليوم، الذي دعت إليه الأمم المتحدة واليونسكو، ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو دعوة عميقة لإعادة تقييم الذات والمجتمع، والتأكيد على أن التسامح هو ليس خياراً، بل ضرورة وجودية لاستقرار ونهوض الوطن.

يُعرّف التسامح بأنه “الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا”. وبالنسبة للسودان، الذي يمثل فسيفساء فريدة من الأعراق والثقافات واللغات والديانات، فإن هذه القيمة هي الركيزة الأساسية التي تضمن بقاء هذا النسيج الاجتماعي متماسكاً وقادراً على تجاوز محنته الحالية والمضي نحو المستقبل.

إن المشهد السوداني المعقد، بمكوناته المتعددة، يحتاج إلى التسامح كآلية أساسية للتعايش. لا يمكن بناء دولة عصرية قائمة على المواطنة أن يتحقق في ظل التعصب والانغلاق على الذات. يجب أن نتبنى ثقافة قبول الآخر والاعتراف بأن الاختلاف الثقافي والعرقي والسياسي هو مصدر إثراء وقوة، وليس سبباً للانقسام أو الصراع، ومكافحة خطابات الكراهية والتعصب التي تستهدف شريحة بعينها، سواء كانت على أساس قبلي أو جهوي أو سياسي. التسامح هنا يعني الوعي بأن التعصب يولد التعصب، ويدفعنا إلى حلقة مفرغة من العنف وانعدام الثقة، واستخدام الحوار والاحترام المتبادل كوسيلة وحيدة لحل الخلافات، بدلاً من اللجوء إلى القوة أو الإقصاء. هذا يتطلب قدراً كبيراً من ضبط النفس والاستعداد للاستماع وفهم وجهة نظر الآخر، حتى وإن كانت مختلفة تماماً.

التسامح رحلة تبدأ من الداخل. على كل فرد أن يسأل نفسه: هل أنا متسامح؟ هل أتقبل آراء الزملاء المختلفة عني في مكان العمل؟ هل أستمع إلى وجهة نظر شريكي أو أحد أفراد عائلتي بإنصاف؟ الوعي بالتحيزات الشخصية والعمل على تجاوزها هو الخطوة الأولى لمكافحة التعصب. التسامح الفردي يترجم إلى صبر على الأخطاء، وحسن ظن بالآخرين، وقدرة على العفو وتجاوز الإساءات الصغيرة.

الأسرة هي الحاضن الأول للقيم. يجب على الآباء والأمهات تعليم أبنائهم كيفية تقبل الاختلاف، سواء كان اختلافاً في الرأي أو في الميول أو حتى في الخلفية الثقافية لأصدقائهم. على مستوى الأصدقاء، التسامح يعني احتواء الصديق في ضعفه، والتغاضي عن الزلات، وتقدير العشرة والمصلحة المشتركة فوق الخلافات العارضة.

في بيئة العمل، يُعد التسامح محركاً للإنتاج والإبداع. عندما يسود الاحترام بين الزملاء، بغض النظر عن اختلاف انتماءاتهم أو رؤاهم المهنية، يتحول مكان العمل إلى مساحة آمنة للمشاركة والمنافسة الشريفة. تقبل النقد البناء والتغاضي عن الخلافات الشخصية البسيطة هي أدوات التسامح التي تضمن سير العمل بكفاءة عالية.

إن البحث عن مبادرات محلية في السودان لتعزيز ثقافة التسامح يبرز الدور الحيوي الذي يلعبه المجتمع المدني والشخصيات المجتمعية في مواجهة تحديات الانقسام واستعادة النسيج الاجتماعي. بالرغم من الظروف الصعبة، هناك جهود حثيثة لترميم الشروخ وتعزيز التعايش السلمي، وتنقسم المبادرات إلى جهود رسمية (سابقة) وأهلية (مجتمعية) تركز على بناء السلام من القاعدة إلى القمة، ومنها المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي، وهي هيئة رسمية/شبه رسمية تهدف إلى نشر وتعميق مفاهيم التسامح والتسامح وقبول الآخر بين مكونات المجتمع، ومن مهامها إجراء دراسات حول الأسباب الجذرية للنزاعات، وتنظيم حملات توعوية بأهمية السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية، وتوفير الدعم للمبادرات الاجتماعية، وآلية العمل فيها تعتمد على مأسسة أدوات المصالحة وتنظيم جهود الترميم المجتمعي ضمن إطار وطني جامع، وايضا مشروع السلم الاجتماعي، والتي تشمل تشكيل لجان مجتمعية لتعزيز الحوار والتواصل، ورعاية مصالحات أهلية بين المكونات المتنازعة، وتبني برامج تربوية وتوعوية تستهدف الشباب والنساء والأطفال.

تلعب منظمات المجتمع المدني والمبادرات الشبابية دوراً فعالاً في مناطق مختلفة من السودان، لا سيما في المناطق التي تشهد توترات، وتنشط مجموعات شبابية في ولايات مختلفة (مثل مبادرات في النيل الأزرق سابقاً) لـ نشر ثقافة السلام والتسامح، وتهدف إلى تهدئة التوترات بين المجتمعات وتجنب الاقتتال القبلي عبر الوعي، والشبكة الشبابية لمناهضة الحرب والتي تعمل على توعية المجتمع بمخاطر الصراع وتشجيع ثقافة التسامح والحوار، وتنشط في أماكن تجمع اللاجئين والنازحين.

منظمات المجتمع المدني (المحلية والدولية) وتتعدد هذه المنظمات ومنها مؤسسة تمكين الشباب للجماعات المحلية (من الأمثلة التي تعمل على تعزيز التسامح) ومنظمة “مبادرة الأمن الإنساني” (مأمن): تعمل على بناء السلام عبر الحوار والتعليم بدلاً من الإجراءات القاسية، وتؤمن بأن السلام في متناول اليد من خلال هذه الآليات، ومركز الخاتم عدلان للتنوير والتنمية البشرية: عمل على تعزيز التعايش السلمي من خلال إصلاح التعليم، وتعزيز قدرات منظمات المجتمع المدني في تخفيف حدة النزاعات، ومركز البادية لخدمات التنمية المتكاملة: عمل على تعزيز المصالحة والتعايش السلمي بين القبائل في مناطق التماس، وتدريب الشباب على آليات حل النزاعات.

المبادرات الثقافية والفنية ومنها مجموعة “هيلا هوب” التي تستخدم الفنون والموسيقى لتعزيز التعايش السلمي وتسوية الصراعات، من خلال تدريب الفنانين وتنظيم العروض التي تركز على رسائل السلام، ومراكز مثل Scenius Hub (في جوبا حالياً وتخدم اللاجئين السودانيين) التي تعزز الثقافة كركيزة أساسية لاستدامة السلام عبر الأنشطة والحوارات ودعم إدارة التنوع الثقافي.

تظهر هذه المبادرات أن الإرادة المجتمعية لتعزيز التسامح والتعايش السلمي في السودان قوية، وهي تعمل على جبهات متعددة: المصالحة المجتمعية المباشرة، التوعية الشبابية، الدعم النفسي والاجتماعي، واستخدام الفنون والثقافة كأدوات للسلام، وإن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم هو كيفية تحويل هذا المفهوم السامي إلى ممارسة يومية في كل زاوية من زوايا الحياة. التسامح هو الجسر الذي يجب أن يُبنى فوق أنهار الانقسام. إنه ليس ضعفاً أو تهاوناً مع الخطأ، بل هو قوة أخلاقية تسمح لنا بالتركيز على المشترك ودفن عوامل الفرقة.

في اليوم الدولي للتسامح، يجب أن نجدد العهد بأن نكون سودانيين متسامحين في كل تفاصيل حياتنا، ليس فقط لكي نعيش بسلام، بل لكي نضمن للأجيال القادمة مستقبلاً أفضل مبنياً على الاحترام المتبادل والاعتراف بأن تنوعنا هو بالفعل أغلى كنوزنا. إن بقاء المجتمع السوداني وتطوره رهن بقدرته على العفو والتسامح والتعايش بسلام.

‫شاهد أيضًا‬

سلاح الإضرابات اخطر من المسيرات 

لا أحد ينكر الدور الكبير الذي يقوم به أساتذة الجامعات قبل وبعد الحرب وفي نفس السياق معلمي …