‫الرئيسية‬ مقالات حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام – رتق النسيج الاجتماعي أم الوعي الجماعي؟
مقالات - نوفمبر 16, 2025

حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام – رتق النسيج الاجتماعي أم الوعي الجماعي؟

لقد ظللت أتابع، ومنذ قبل بداية الحرب، أسمع تلك العبارة: “رتق النسيج الاجتماعي”؟ ولزمت الصمت طويلاً حيال تلك العبارة التي ظل يرددها الكثيرون علني أجد لھا سبيلا ظل يرددونھا دون وعي أو إدراك لھا . هذه العبارة، من أطلقها، وإن أراد بها الخوف على المجتمع والمحافظة عليه، فإنما هو و دون وعي، يساهم في حل ما هو منعقد.

فإذا كان يعني بھا جعل المجتمع متقاربا متماسكا وجدانيا فالعبارة لا محل لھا من الإعراب لما سنذكر ،وان كان المراد بھا دعم المجتمعات ماديا وتقديم الخدمات لھا فذاك واجب الدولة وان قصرت يدھا او قلت عزيمتھا فلا علاقة في كلا الحالتين للعبارة بالواقع .واما القيم والمبادئ والاخلاق فھي متجزرة في المجتمع السوداني .والاخلاق لاتعالج بالخطب والنداءات والهتافات إنما تغرس القيم بالتأسي ودفع الظلم.

 

دعونا، أيها الإخوة، نفكر بصوت عالٍ، ونقيم تلك العبارة ومامدي واقعيتھا في المجتمع السوداني الذي يعيش أسوأ حالاته من التباعد الأسري، لا التفكك الأسري كما يزعم البعض. وأنا لا أتحدث عن حالات خاصة ولا فردية فالحرب قد شملت كل السودان ، فكل الأسر التي تباعدت لظروف الحرب تجدها متواصلة، حتى الجيران يتفقدون أحوال بعضهم البعض، من كان منهم داخل السودان أو خارجه.

 

وأما عن اللحمة الاجتماعية، برغم الحرب، لم تنقطع عن كل المجتمعات، حالات التراحم واقتسام اللقمة والكساء والدواء والإيثار. وأكبر دليل على ذلك قيام 《التكايا》 التي هي من صميم عادات السودانيين، بل كادت أن تختفي في الظروف العادية، ولكنها عادت من جديد، وفي أحلك الظروف.

 

شعب مثل هذا الشعب، مجتمعاته تستدعي موروثاتها التي كادت أن تندثر، لا بخلاً ولا انسلاخاً عن العادات الكريمة، إنما لرغد الحياة قبل الحرب. شعب مثل هذا، هل به تمزق لنرتق نسيج مجتمعاته؟

 

أخوتي، إن المجتمع السوداني مازال بخير، وخير. ما سمعنا بخائن ولا بمن بخل بالطعام. كل من استطاع أن يقدم يد العون فقد فعل، وتضافرت الجهود في الأحياء من أجل إعادة الخدمات، مع الدولة، من الإنارة والمياه.

 

شعب كل مغتربيه وقفوا مع أهليهم وجيرانهم وقفة رجل واحد، فأخذوا يرسلون الأموال ضعف الذي كانوا يرسلونه في الظروف العادية.

 

شعب لم يسأل الناس إلحافاً، ولم تفتح صناديق التبرعات له في المطارات الدولية ، ولا تسولت سفارتنا بأسمه، ولن تفعل، لأنها تمثل مجتمعاً متماسكاً قويا رغم المحن،

 

فأين الفتق في النسيج الاجتماعي الذي يحتاج إلى رتق هنا؟ إنما نحتاجه حقيقة هو الوعي الجمعي الذي تم تضليله، فأخذ الكل يردد عبارات لا يعيها، لا تخدم إلا أعداء السودان وأهله.

 

لقد أخذ الكل يصف المجتمع بالممزق، بالله عليكم، إن كان المجتمع ممزقا، هل كان يتستطيع ان يرفض الارتھان وبيع الوطن؟ هل يستطيع ان يفرض على قيادته عدم قبول الحلول الوسط؟

 

سادتي، هنالك بون شاسع ما بين شعب محارب ووطن أريد تمزيقه، وما بين مجتمع قوي متماسك يعاني الأمرين، فلا تخلي عن قيمه، ولا بدل دينه، ولا نادي باسم المرتزق.

 

أيها المنادون برتق النسيج الاجتماعي، كفوا عن دعواكم الباطلة ھذة ، وتسلحوا بالوعي في خطابكم للناس، وابذلوا مساعيكم في لم الشمل بين من باعدت بينهم الحرب، وضيق ذات اليد .

 

فلم الشمل غير رتق النسيج. واعلموا أن الوعي والإدراك بحقيقة الأمور هو أكبر سلاح ضد الأعداء. فليكن النداء للم الشمل ودعم المحتاج ومحاربة العادات والظواهر السالبة التي يريد العدو أن يغرسها في مجتمعاتنا ويسقيھا بنشر الفتن ونزع الثقة من ذواتنا لأجل ان ننھزم .

 

فالناس بخير ما دامت أخلاقهم بخير.

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

 

ونحمد الله أن السودانيين، وبرغم الحرب، مازالوا بخير، والدليل على ذلك صمود هذه الأمة في وجه الأعداء والخونة والمرتزقين.

 

فهناك أكثر من 17 دولة تحارب السودان بشتى الطرق، من دعم مباشر إلى غيره، وما انهزمنا ولن ننھزم بمجتمعات متماسكة كونت هذا الشعب، وحتى الجيش يستمد قوته من شعبهُ وبِه، وما الشعب إلا نتاج مجتمعات.

 

أيها الإعلاميون والمثقفون ورجال الدولة، لا نريد سماع تلك العبارة:” محاولة رتق النسيج” الاجتماعي. تالله لن يمزق المجتمع إلا عدم الوعي فيما نقول ونفعل.

 

اللهم هذا جهدي أرجو به وجهك، اللهم قد بلغت فاشهد.

 

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام

الأثنين 17/نوفمبر /2025

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…