‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل بين الاتهام والتهويل قراءة تحليلية في الخطاب الأمريكي وتوظيفه داخل السودان د. محمد فضل محمد
مقالات - نوفمبر 28, 2025

خواطر ابن الفضل بين الاتهام والتهويل قراءة تحليلية في الخطاب الأمريكي وتوظيفه داخل السودان د. محمد فضل محمد

كتب احدهم في احدى قروبات الواتس مقالًا مفاده أن الولايات المتحدة ردّت على تصريحات الفريق البرهان تجاه المبعوث الأمريكي مسعد بولس بفتح “ملف الأسلحة الكيميائية”، وأن ذلك يُعدّ عملية “عقابية” خطيرة تُمهّد لتدويل الأزمة تحت الفصل السابع.

 

ورغم سخونة هذا الطرح وحدّته، إلا أن القراءة المهنية للمشهد تُظهر فجوة كبيرة بين ما يورده الكاتب وما يجري فعليًا على الأرض.

 

أولًا: البيان الأمريكي أداة ضغط لا قرار إدانة

من المهم التمييز بين البيان السياسي والإجراءات القانونية الملزمة والبيان الصادر عن الخارجية الأمريكية:

١. لم يقدّم أدلة ميدانية،

٢. ولم يطلب فتح تحقيق عاجل من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية،

٣. ولم يصف الحكومة السودانية بأنها “استخدمت فعليًا السلاح الكيماوي”،بل قال: “وردت إلينا تقارير…”.

 

وهذه لغة “التصعيد الناعم”، لا لغة “الإدانة القطعية”وهو أسلوب معتاد في الدبلوماسية الأمريكية ضمن سياسة العصا والجزرة، لا إعلان حرب قانونية.

 

ان المقارنة التي قدمها الكاتب مع ملف سوريا أو صدام حسين غير دقيقة فاتهامات العراق عام 2003 كانت كذبة سياسية كبرى اعترف بها الكونغرس نفسه لاحقًا،وهو ما يثبت أن واشنطن كثيرًا ما تستخدم “ملف الكيماوي” كأداة ضغط، لا كحقيقة علمية.

 

*ثانيًا: ربط الملف بتصريحات البرهان… قراءة انفعالية*

 

وهذا الكاتب يوحي بأن الولايات المتحدة ردّت على البرهان بـ”فتح ملف جنائي”، وأن ذلك عقاب على مهاجمة مبعوثها.

لكن الدبلوماسية الأمريكية — مهما بلغت حدّتها — لا تتحرك بهذه العاطفية، ولا تقلب ملفات دولية بسبب تصريحات.والأصح:

ان واشنطن تستخدم الاتهامات لتعديل سلوك الأطراف، أو لدفعهم نحو مسار سياسي معين، وليس لتصفية حسابات شخصية.

 

*ثالثًا: تصوير الجيش كـ”نظام مارق”… مبالغة إعلامية*

 

والمقال يذهب إلى أن واشنطن أرادت من البيان نزع الشرعية عن الجيش ووضعه في خانة “النظام المارق”.

لكن حتى هذه اللحظة:

١. لا يوجد قرار من مجلس الأمن،

٢. ولا تحقيق من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية،

٣. ولا تحرك أمريكي لفرض عقوبات نوعية،

٤. ولا تغيير في التعامل الدبلوماسي مع الحكومة السودانية.

كل ما في الأمر هو تصعيد لفظي يُستخدم للضغط السياسي، وهو أسلوب مارسته واشنطن مرارًا دون أن تتبعه بخطوات عملية.

 

*رابعًا: التوظيف الداخلي هذا هو أخطر ما في المشهد*

 

ما لم يقله الكاتب، ويجب قوله بوضوح:

هناك قوى سودانية — خصوصًا بعض رموز “قحت” — تستخدم أي اتهام خارجي كسلاح سياسي للعودة إلى السلطة.

ولذلك رحبت دون تحفظ بالبيان الأمريكي، بل طالبت بعقوبات “تستهدف الدولة نفسها”، في مفارقة سياسية خطيرة:

١. هل سيُعاقَب الشعب وحده دونهم؟

٢. وهل سيحكمون بلدًا محاصرًا اقتصاديًا وسياسيًا؟

٣. وهل يُمكن بناء سلطة على أنقاض وطن جائع ومخنوق؟

 

هذا الاستخدام الرخيص للضغوط الدولية يعيد للأذهان ما حدث في العراق وليبيا حيث إن قوى محلية تستدعي الخارج طمعًا في السلطة ثم لا تجد دولة تحكمها.

 

*خامسًا: الملف الكيميائي ورقة ضغط لا مسار تدويل كامل*

 

وحتى الآن، كل المؤشرات تقول ان :

 

١. الولايات المتحدة تمارس ضغطًا سياسيًا،

٢. لا تسعى إلى تدويل عسكري،

٣. ولا إلى فرض وصاية،

٤. ولا إلى إسقاط الحكومة عبر مجلس الأمن.

لكنها تريد:

دفع الأطراف السودانية نحو اتفاق سياسي يُقصي بعض المكونات ويُعيد ترتيب المشهد وفق رؤيتها.

وهذا ما جعل ملف “الكيماوي” يظهر فجأة في توقيت سياسي حساس.

 

وفي الختام ان البيانات الدولية لا تُقرأ بمعزل عن سياقها. وما حدث ليس “عملية عقابية أمريكية” كما كتب ذلك المحلل السياسي،

بل استخدام نشط لورقة ضغط تحاول واشنطن من خلالها: توجيه سلوك الأطراف، وتهيئة المناخ لتسوية سياسية،مع استغلال بعض القوى المحلية لهذه الضغوط لمصلحتها.

أما أخطر ما في المشهد فهو تبني بعض النخب السودانية للاتهام بلا دليل، ومطالبتهم بفرض عقوبات على وطنهم طمعًا في موقع سياسي.وهو سؤال يجب أن يُطرح:

هل تُبنى الدول بالاستقواء بالخارج؟

وأي سودان سيبقى إن أصبح الشعب كله تحت مقصلة العقوبات؟

‫شاهد أيضًا‬

إقالة قبل البداية

التغيير سنة الحياة والتجديد في المواقع التنفيذية ضرورة لا يمكن إنكارها فالمناصب العامة بطب…