‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل قراءة نقدية في التجربة الاقتصادية لحكومة حمدوك: ما سكت عنه الخطاب الاحتفائي د. محمد فضل محمد
مقالات - ديسمبر 7, 2025

خواطر ابن الفضل قراءة نقدية في التجربة الاقتصادية لحكومة حمدوك: ما سكت عنه الخطاب الاحتفائي د. محمد فضل محمد

إن تقييم التجارب السياسية والاقتصادية ينبغي أن يخضع لمنهج التحليل الكلي، لا للانتقاء المزاجي. و مقال الاستاذ مهند محمد المنشور في الميديا الذي طُرح للدفاع عن حكومة د. حمدوك اعتمد على منهجية انتقائية تُبرز مزايا محدودة وتغفل أخطاء جوهرية أثّرت بصورة مباشرة على الاقتصاد السوداني، وخلقت أحمالًا إضافية دفعت البلاد لاحقًا إلى مزيد من الهشاشة.

 

وما لم يُذكر في المقال أهم بكثير مما ذُكر فيه، وأشد أثرًا مما حاول الكاتب الترويج له.

 

*أولًا: فشل السياسات الاقتصادية الكلية وتضخم غير مسبوق*

 

من الناحية الأكاديمية، تُعدّ السياسات التي طُبقت خلال تلك الفترة — ولا سيما تحرير سعر الصرف ورفع الدعم الكامل — من أكثر القرارات حساسية، ولا يمكن تنفيذها في اقتصاد هشّ يعاني من ضعف الإنتاج وقصور الاحتياطي النقدي لكن حكومة حمدوك طبقتها بصورة صادمة وغير متدرجة، فأسفرت عن:

 

١. انفجار التضخم لمستويات قياسية.

٢. فقدان الجنيه أكثر من ٨٠٪ من قيمته خلال أقل من عام.

٣. انهيار القوة الشرائية للأسر.

٤. ارتفاع أسعار السلع الأساسية بصورة فاقمت معدلات الفقر.

إن هذا النوع من القرارات، وفقًا لأدبيات الاقتصاد التنموي لا يُتخذ في اقتصاد منخفض المرونة الإنتاجية—وهو تمامًا حال السودان آنذاك.

 

*ثانيًا: انكماش الإنتاج الزراعي والصناعي رغم الشعارات*

 

على الرغم من الحديث المتكرر عن دعم الزراعة، إلا أن الواقع — وفق بيانات وزارة المالية آنذاك — شهد:

 

١. تراجعًا في إنتاج القمح والذرة بسبب تضاعف تكلفة المدخلات.

٢. خروج آلاف المزارعين من دائرة الإنتاج.

٣. توقف عدد من المصانع نتيجة ارتفاع تكلفة الطاقة والمواد الخام بعد رفع الدعم.

 

وهذا يُعدّ إخفاقًا بنيويًا؛ لأن الزراعة والصناعة هما القطاعان القادران على امتصاص الصدمات الاقتصادية، وقد تم إضعافهما في لحظة مفصلية.

 

*ثالثًا: تسليم القطاع الاقتصادي لشخصية عسكرية خارج الإطار المؤسسي*

 

من أخطر ما سكت عنه الخطاب الاحتفائي، وتغافلت عنه المقالة عمدًا، هو تنصيب حميدتي رئيسًا للقطاع الاقتصادي للدولة ورئيسًا للجنة الطوارئ الاقتصادية. ومن الناحية المؤسسية، هذا القرار شكّل انحرافًا عن مبادئ الحوكمة الاقتصادية، إذ انتقلت إدارة:

 

١. الذهب،

٢. الصادر والوارد،

٣. ضبط الأسواق،

٤. أولويات الإنفاق،

٥. سياسات التمويل،

من مؤسسات الدولة إلى يد شخصية عسكرية تعمل خارج إطار المفوضيات الاقتصادية.

وهذا الوضع أدى — وفق التحليل المؤسسي — إلى ازدواج في السلطة الاقتصادية، واختلال في آليات الحوكمة، وتعارض مصالح هيكلي.

 

ولا يمكن لأي تقييم أكاديمي أن يعتبر هذه الخطوة إصلاحًا، بل هي تعميق للأزمة البنيوية في الاقتصاد السوداني.

 

*رابعًا: الطلب الرسمي للتدخل الدولي وتآكل السيادة الاقتصادية*

 

حين طلبت الحكومة تدخلًا أمميًا موسعًا تحت الفصل السادس، لم يكن الأمر مجرد خطوة سياسية، بل كان — وفق أدبيات الاقتصاد السياسي— نقلاً لصنع القرار من الإطار الوطني إلى الإطار الدولي.

 

وقد ترتب على ذلك:

 

١. تقليص هامش السيادة في صياغة السياسات الاقتصادية.

٢. خضوع البلاد لمزيد من الشروط الخارجية.

٣. إضعاف موقف التفاوض الوطني مستقبلًا.

والخطاب الاحتفائي تجاهل هذا التحول كليًا، رغم أنه من أخطر القرارات في تاريخ السودان الحديث.

 

*خامسًا: غياب شبكات الحماية الاجتماعية وتراجع مستوى المعيشة*

 

طبّقت الحكومة أصعب الإجراءات الاقتصادية دون:

 

١. دعم نقدي مباشر.

٢. برامج حماية فعّالة.

٣. تعويضات متناسبة مع حجم الزيادة في الأسعار.

 

وهذا يتعارض مع ما يُعرف بمبدأ العدالة التوزيعية (Distributive Justice)، وهو أساس أي إصلاح اقتصادي ناجح. والنتيجة كانت انتقال شرائح واسعة من الطبقة الوسطى إلى حافة الفقر.

 

*سادسًا: لا يجوز تحويل التجربة إلى أسطورة سياسية*

 

الإنجازات التي ذُكرت في المقال—وإن وُجد بعضها—لا تعفي الحكومة من مسؤولية:

 

١. التضخم الانفجاري،

٢. تآكل الدخل،

٣. تراجع الإنتاج،

٤. إضعاف المؤسسات،

٥. تسليم القرار الاقتصادي لغير المؤسسات،

٦. ورهن ملف السيادة للضغوط الدولية.

 

وهذه ليست رواية خصوم بل حقائق قياس اقتصادي يمكن إثباتها بالأرقام.

 

*واخيرا بين النقد العلمي والتمجيد العاطفي*

 

إن تحويل تجربة حمدوك إلى “ملحمة” يخدم الخطاب السياسي لا التاريخ.أما الكتابة الأكاديمية فتستلزم الاعتراف بأن:

 

١. الحكومة الانتقالية أخفقت اقتصاديًا إخفاقًا واسعًا،

٢. وأثقلت كاهل المواطن،

٣. وأدخلت البلاد في مسار اقتصادي هشّ زاد من قابلية الدولة للانهيار عند أول صدمة – وهي الحرب لاحقًا.-

 

فالإنصاف ليس خصومة،

والحقيقة ليست عاطفة،

والتاريخ لا يُكتب بالتمجيد،

بل بوعيٍ يرى الضوء والظلّ معًا… ويقول ما يجب أن يُقال.

‫شاهد أيضًا‬

لعناية عماد عدوي وبطانته

السيد سفير جمهورية السودان بجمهورية مصر العربية…. إستبشرنا خيراً بقدومك يوماً ودعمنا…