خواطر ابن الفضل بين شعار «لا للحرب» وتبييض العدوان: قراءة نقدية في خطاب أماني الطويل د. محمد فضل محمد

ليس أخطر على الأوطان من خطابٍ يلبس ثوب السلام، بينما يُفرغ الدولة من حقها في الدفاع عن نفسها، ويُعيد تعريف الوطنية وفق مقاييس الخارج لا وفق معاناة الداخل.
ان تصريحات الدكتورة أماني الطويل عن كتلة «صمود» لا تعبّر عن رؤية سلام بقدر ما تكشف مشروع تسوية سياسية تُقدَّم فيه السيادة السودانية قربانًا مقابل رضا دولي، وطموحٍ سلطوي مغلف بشعارات أخلاقية.
*أولًا: «لا للحرب»الشعار الذي يُخفي السؤال الأهم*
رفع شعار «لا للحرب» دون تسمية من أشعلها، ليس موقفًا إنسانيًا، بل مراوغة سياسية.
فالحرب في السودان ليست حالة تجاذب متكافئ، بل عدوان واضح المعالم شنّته مليشيا الدعم السريع، وثقته الوقائع قبل التقارير.
وحين يُطلب من الجيش وحده أن يتوقف، بينما لا يُطلب من المليشيا:
١. تسليم السلاح
٢. الاعتراف بالجرائم
٣. الانسحاب من المدن
٤. محاسبة قادتها
فإن الشعار يتحول من دعوة للسلام إلى أداة ضغط على الدولة.
*ثانيًا: الحياد بين الدولة والمليشيا سقوط أخلاقي*
قول أماني الطويل إن «صمود لا تقف مع طرف» هو في حقيقته انحياز مقنّع ضد الدولة.
فالحياد بين:
١. مؤسسة وطنية تمثل آخر أعمدة الدولة
٢. ومليشيا عابرة للحدود، متعددة الولاءات
ليس تعاليًا سياسيًا، بل تفريغ لمفهوم الدولة نفسه.
وفي لحظات الانهيار، لا يُطلب من النخب أن تقف في المنتصف، بل أن تحدد بوضوح أين تقف الشرعية وأين يقف التمرد.
*ثالثًا: لماذا يرضى العالم عن «صمود»؟*
السؤال الذي تتجاهله أماني الطويل عمدًا:
هل رضا الخارج ناتج عن وطنية «صمود» أم عن قابليتها لتنفيذ الإملاءات الدولية؟
وفي تجارب الدول المنهكة، لا يمنح الخارج ثقته مجانًا.
الرضا الدولي غالبًا يُمنح لمن:
١. يقبل بتدويل القرار الوطني
٢. يمرر تسويات مفروضة
٣. يعيد دمج المليشيات في السياسة
٤. يوقّع على خرائط جاهزة للحكم
٥. ويؤجل العدالة باسم «الاستقرار»
وهنا يصبح السلام وسيلة للوصول إلى السلطة، لا مشروعًا لبناء الدولة.
*رابعًا: السلام الذي لا يزعج الخارج*
اللافت أن خطاب «صمود»:
١. لا يصطدم بالإرادة الدولية
٢. لا يطالب بمحاسبة حقيقية
٣. لا يضع شروطًا أخلاقية للسلام
٤. ولا يمانع إعادة نفس القوى التي دمرت البلاد إلى المشهد
٥. سلام بلا كلفة…سلام لا يُغضب أحدًا في الخارج،لكنه يُفجِّر الغضب في صدور الضحايا.
*خامسًا: الجيش ليس عقبة أمام السلام*
الجيش السوداني لم يختر الحرب، بل فُرضت عليه والدولة التي يُطلب منها التخلي عن حق الدفاع، هي دولة يُراد لها أن تُدار بالوصاية لا بالإرادة والسلام الحقيقي لا يبدأ بـ:
١. نزع شرعية الجيش
٢. ولا شيطنة الدفاع عن الوطن
٣. ولا مساواة الجريمة بالمقاومة
بل يبدأ بـ كفّ البغي، ثم الحوار. قال الله تعالى: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾(الحجرات: 9)
*لا سلام بالإملاءات*
نحن مع السلام، لكننا ضد السلام الذي:
١. يُكتب في الخارج
٢. ويُفرض على الداخل
٣. ويُسوَّق بعبارات منمّقة بينما تُترك الجريمة بلا حساب
أما «رضا العالم» الذي يأتي مقابل التفريط في الدولة، فهو شهادة زور لا وسام شرف..
واخيرا اهمس في اذن اماني الطويل واقول:
ان كانت الدكتورة أماني الطويل تُقدَّم بوصفها محللة سياسية متخصصة في الشأن السوداني، فإن مقتضيات المهنية والأخلاق التحليلية تفرض عليها أن ترتقي بخطابها فوق الميول الشخصية والانحيازات المسبقة، وألا تسمح لموقفها الرافض للحرب – مهما كان مشروعًا من حيث المبدأ – أن يتحول إلى انحياز عملي ضد الدولة وحقها في الدفاع عن نفسها.
فالحياد المهني لا يعني الوقوف في المنتصف بين الدولة ومن يعتدي عليها، ولا تمييع الوقائع، ولا المساواة بين من يحمل السلاح لهدم الوطن ومن يدافع عنه. بل يعني قراءة الواقع كما هو، وتسمية الأشياء بأسمائها، وتحديد المسؤوليات بوضوح، ثم البحث عن السلام من بوابة العدل لا من بوابة الضغط السياسي.
أما الخطاب الذي يتجاهل المعتدي، ويُحمّل الدولة وحدها كلفة السلام، ويُقدَّم باسم التحليل السياسي، فهو إخلال بواجب المهنية قبل أن يكون اختلافًا في الرأي.
وفي القضايا المصيرية، لا يُقاس التحليل بمدى قبوله خارجيًا، بل بمدى صدقه مع الحقيقة، وعدالته مع الضحايا، وانحيازه لمصلحة الوطن العليا.
أغوار وأسرار الشخصية السودانية (2-10)
لقد تطرق كثير من الباحثين والمثقفين إلى الحديث عن الشخصية السودانية وتعريفها، وقد ذهب كثير…





