حديث الساعة إلهام سالم منصور ماذا يفسّر ما يحدث في السودان منذ اندلاع الحرب والي يومنا هذا؟

ما يجري في السودان لم يعد حدثًا عابرًا ولا صراعًا تقليديًا يمكن اختزاله في معارك ميدانية أو تنازع على سلطة. إنّه أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه حرب وجود بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حرب تستهدف الإنسان والأرض والهوية، وتُدار في صمتٍ دولي مريب، وكأنّ المطلوب أن يُمحى السودان بهدوء من خارطة الاستقرار، لا بضجيج المدافع وحدها.
لم تكن هذه الحرب يومًا حرب جبهات فقط، بل كانت وما زالت حربًا مركّبة: عسكرية، وسياسية، واقتصادية، وإعلامية، وأخطرها الحرب النفسية التي تستهدف وعي المواطن وإيمانه بوطنه. أُريد للسوداني أن ييأس، وأن يشكّ، وأن يفقد الثقة في ذاته وفي دولته، تمهيدًا لقبول أي واقع يُفرض عليه لاحقًا.
ومع الأسف الشديد، لم يأتِ الخطر من الخارج وحده، بل وجد من الداخل من فتح له الأبواب. فهناك من لا يمكن وصفهم بأبناء الوطن، بل هم رهائن للدراهم وأصحاب النفوس الضعيفة، الذين باعوا ضمائرهم مقابل مصالح ضيقة ونزعات سلطوية عمياء. تعاونهم مع المليشيات ضد وطنهم لم يكن سوى انعكاسٍ لواقع مرير، عنوانه غياب الولاء الوطني، وتقدّم المصلحة الشخصية على حساب بقاء الدولة.
إنّ انعدام الولاء للوطن ليس مجرد خلل أخلاقي، بل هو ناقوس خطر يُنذر بكارثة قادمة، خطر داخلي يسبق الخطر الخارجي ويمهّد له الطريق. فالدول لا تسقط فقط بقوة الأعداء، بل تسقط حين يتآكلها أبناؤها من الداخل، وحين يصبح الخائن أكثر صوتًا من الوطني، والمأجور أكثر حضورًا من صاحب المبدأ.
السؤال الأخطر:
هل يدرك هؤلاء حجم المؤامرة الغادرة التي يتعرض لها السودان؟
وهل يعرفون ماذا يعني تقسيم السودان إلى دويلات متناحرة، بلا سيادة ولا قرار، تتحكم فيها الأجندات الخارجية وتُدار بالوكالة؟
اليوم، لم يعد ما يحدث خافيًا على أحد. العالم كله بات يعلم حقيقة المشهد منذ بداية الحرب وحتى الآن، ويعرف أن الهدف ليس إصلاحًا ولا ديمقراطية ولا سلامًا، بل إضعاف السودان ثم تفكيكه، تمهيدًا لإعادة رسمه بما يخدم مصالح الآخرين، لا مصلحة أهله.
إنّ المرحلة تتطلب وعيًا وطنيًا عاليًا، ومراجعة شجاعة للمواقف، واصطفافًا صادقًا خلف الوطن لا خلف الأوهام. على أبناء السودان أن يقرأوا الدرس جيدًا، وأن يدركوا أن الصمت تواطؤ، وأن الحياد في معركة الوجود خيانة غير معلنة.
فإمّا أن نكون على قدر التحدي ونحمي وطنًا دفعنا من أجله الدم والدموع،
وإمّا أن نستفيق متأخرين على وطنٍ مُقسّم، وهويةٍ مكسورة، وتاريخٍ يُكتب عنا لا بأيدينا.
السودان يستحق أن نختلف من أجله، لا أن نختلف عليه.
الجمعة ٢يناير ٢٠٢٦
ليس ما يحدث حولك هو الخطر… بل ما يُفعل بك وأنت تتابع
في البدء… لن أقول لك انتبه… لأنك في الحقيقة منتبه… تتابع… تقرأ… تناقش… تنفعل… لكن سأسألك س…





