‫الرئيسية‬ مقالات د. بشارة حامد جبارة يكتب الأرامل والأيتام بعد حرب السودان… مسؤولية شرعية وواجب مجتمعي
مقالات - يناير 8, 2026

د. بشارة حامد جبارة يكتب الأرامل والأيتام بعد حرب السودان… مسؤولية شرعية وواجب مجتمعي

لم تكن الحرب في السودان مجرّد صراعٍ عابرٍ على سلطة أو أرض، بل كانت ـ ولا تزال ـ جرحًا عميقًا في جسد المجتمع، خلّفت وراءها آلاف الأرامل وشرّدت عشرات الآلاف من الأيتام، فغاب السند، وانكسر الأمان، واشتدّ ثقل الحياة على من لا حول لهم ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

وفي خضمّ هذا الألم، يبرز سؤال الضمير قبل سؤال الواقع: أين المجتمع من هؤلاء؟ وأين المسلمون من واجبهم الشرعي تجاههم؟

لقد جاء الإسلام بمنهجٍ ربانيٍّ متكامل، لا يترك الضعفاء فريسةً للفقر ولا يسلّم المنكسرين للنسيان. ومن أبلغ ما ورد في ذلك، الحديث الصحيح المتفق عليه الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:

«الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار».

حديثٌ عظيم، يرفع العمل الاجتماعي إلى منزلة الجهاد، ويجعل كفالة الأرملة ورعاية المسكين عبادةً تنافس أعظم القربات. وليس ذلك من باب المجاز أو المبالغة، بل هو ميزان ربانيّ دقيق، كما بيّن أئمة الشرح والعلم.

فالساعي ـ كما قال الإمام النووي رحمه الله ـ هو الكاسب لهما، القائم على شؤونهما، العامل على سدّ حاجاتهما. والأرملة ليست فقط من فقدت زوجها بالموت، بل كل من فقدت عائلها وسندها، فباتت عرضةً للفقر والحاجة.

وإذا نظرنا إلى واقع السودان اليوم، وجدنا هذا الوصف منطبقًا على آلاف النساء اللاتي فقدن أزواجهن في أتون الحرب، وأصبحن يقمن مقام الأب والأم معًا، في ظروفٍ قاسية، ونزوحٍ وتشريد، وغلاءٍ خانق. كما وجدنا أيتامًا حُرموا الحنان، قبل أن يعرفوا معنى الطفولة، ينتظرون من يمسح دموعهم، لا من يلتقط صور معاناتهم.

إن رعاية هؤلاء ليست تفضّلًا، ولا عملًا ثانويًا، بل هي فرض كفاية على المجتمع، إذا قصّر فيه الجميع أثموا، وإذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين، مع بقاء الأجر لمن بادر وسعى.

وقال ابن هبيرة في “الإفصاح عن معاني الصحاح” (6/267) :” والمراد أن الله تعالى يجمع له ثواب الصائم والقائم والمجاهد في دفعة ؛ وذلك أنه قام للأرملة مقام زوجها الذي سلبها إياه القدر ، وأرضاها عن ربها ، وقام على ذلك المسكين الذي عجز عن قيامه بنفسه ؛ فأنفق هذا فضل قوته ، وتصدق بجَلَدِه ؛ فكان نفعه إذا [ يكافئ ] الصوم والقيام والجهاد “.

ومن هنا، فإن توجيه المجتمعات ـ أفرادًا ومؤسسات ـ نحو كفالة الأرامل والأيتام بعد الحرب، ليس خطابًا عاطفيًا فحسب، بل نداء إيمانيٌّ صريح، ومشروع نهضوي حقيقي.

فالأمة التي تحفظ أضعف فئاتها، هي أمةٌ حيّة، والأوطان لا تُبنى بالبنادق وحدها، بل تُبنى بالرحمة، والتكافل، وجبر الخواطر.

فلنحوّل صدقاتنا إلى مشاريع كفالة، وزكواتنا إلى برامج رعاية مستدامة، ولنُشرك العلماء والإعلام وأهل الرأي في ترسيخ هذه القيم، حتى لا يتحوّل ضحايا الحرب إلى ضحايا النسيان.

وما عند الله خيرٌ وأبقى، ومن أراد الجهاد الحق، فليبدأ بسعيٍ صادقٍ على أرملةٍ مكسورة، أو يتيمٍ يتطلّع إلى غدٍ أقلّ قسوة.

والله وليّ التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

‫شاهد أيضًا‬

في أجواء رمضانية سادتها الالفة….تأشير يقيم إفطاره الرمضاني ببورتسودان 

أقام مركز تأشير بمدينة بورتسودان إفطاره الرمضاني السنوي بحضور المدير العام للمركز الكابتن …