‫الرئيسية‬ مقالات الأحزاب السياسية بين لعنة السودان وأمل التغيير  
مقالات - يناير 31, 2026

الأحزاب السياسية بين لعنة السودان وأمل التغيير  

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

منذ فجر الاستقلال ظل السودان أسيراً لصراعات حزبية لا تنتهي، صراعات بين يمين ويسار، بين تيارات تقليدية وأخرى حديثة، وبين من يزعم أنه يحمل هموم الشعب ومن يثبت الواقع أنه يحمل هموم نفسه ومصالحه الضيقة. هذه الأحزاب التي كان يُفترض أن تكون أداة للتنظيم السياسي والتداول السلمي للسلطة تحولت إلى ساحة للتناحر، وأصبحت معولاً يهدم أكثر مما يبني، حتى صار المواطن السوداني هو الضحية الأولى والأخيرة.

 

إن الأحزاب السياسية في السودان لم تستطع أن تقدم مشروعاً وطنياً جامعاً، ولم تتمكن من صياغة رؤية استراتيجية طويلة المدى، بل ظلت أسيرة شعارات جوفاء، ومزايدات فارغة، وتحالفات هشة تنهار عند أول اختبار. هذا الفشل المزمن فتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية، حيث وجدت القوى الإقليمية والدولية في ضعف الأحزاب فرصة للتغلغل، ولتمرير أجنداتها، ولتحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة. المواطن السوداني البسيط، الذي يحلم بالاستقرار والعيش الكريم، وجد نفسه في قلب معركة لا ناقة له فيها ولا جمل.

 

اليوم يطرح البعض سؤالاً جريئاً: هل الحل يكمن في قرار عاجل بحل جميع الأحزاب والتنظيمات السياسية، وإلغاء القوانين المنظمة لعملها وتمويلها، وتحويل ممتلكاتها إلى عهدة الدولة، كما فعلت حكومة بوركينا فاسو مؤخراً؟ هل يمكن أن يكون هذا القرار هو المخرج من دوامة الفشل والتناحر، أم أنه سيقود إلى فراغ سياسي أخطر من المرض نفسه؟ .

 

الذين يؤيدون هذا الطرح يرون أن الأحزاب أصبحت عبئاً على الدولة والمجتمع، وأنها لم تعد تمثل الشعب بل تمثل مصالح ضيقة، وأن حلها سيتيح فرصة لإعادة بناء نظام سياسي جديد يقوم على الكفاءة لا على الولاء الحزبي، وعلى المصلحة الوطنية لا على المحاصصة. بينما يرى آخرون أن إلغاء الأحزاب يعني إلغاء الديمقراطية نفسها، وأنه سيقود إلى حكم شمولي .

 

لكن الحقيقة التي لا جدال فيها أن السودان بحاجة إلى مراجعة جذرية لتجربته الحزبية، بحاجة إلى إعادة تعريف دور الحزب السياسي، بحاجة إلى قوانين صارمة تمنع التمويل المشبوه، وتلزم الأحزاب بالشفافية والمحاسبة، وتفرض عليها أن تكون مؤسسات وطنية لا دكاكين شخصية. السودان بحاجة إلى أحزاب تحمل مشروعاً وطنياً جامعاً، لا إلى أحزاب تعيش على التناحر والتفكك.

 

إن الأزمة السودانية ليست أزمة موارد، فالسودان بلد غني بالثروات الطبيعية والبشرية، وليست أزمة جغرافيا، فالسودان يتمتع بموقع استراتيجي فريد، وليست أزمة شعب، فالشعب السوداني شعب واعٍ وصبور ومكافح. الأزمة الحقيقية هي أزمة سياسية، أزمة أحزاب عاجزة، أزمة نخبة لا ترى أبعد من مصالحها، أزمة غياب مشروع وطني جامع. لذلك فإن أي حل لا يبدأ من إصلاح الحياة السياسية سيظل حلاً ناقصاً، وسيظل السودان يدور في ذات الحلقة المفرغة

يبقى السؤال مفتوحاً: هل يجرؤ رئيس الوزراء على اتخاذ قرار تاريخي بحل الأحزاب كما فعلت بوركينا فاسو، أم أن السودان سيظل أسيراً لتجربة حزبية فاشلة؟ هل يمكن أن يولد من رحم الأزمة مشروع وطني جديد يضع السودان على طريق النهضة، أم أن التناحر سيظل سيد الموقف؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها حتماً ستحدد مصير وطن بأكمله.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…