‫الرئيسية‬ مقالات من التفكير عن الدولة … إلى التفكير للدولة (٤-٥)
مقالات - ‫‫‫‏‫3 أيام مضت‬

من التفكير عن الدولة … إلى التفكير للدولة (٤-٥)

أصل_القضية  من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

من التفكير عن الدولة … إلى التفكير للدولة (٤-٥)

المشكلة في السودان ليست غياب الأفكار،

ولا حتى ضعف مراكز الفكر.

المشكلة الحقيقية هي تلك المسافة الرمادية

بين من يُنتج المعرفة

ومن يتخذ القرار.

مسافة لا هي قطيعة صريحة،

ولا هي شراكة واضحة.

وهنا…

تبدأ #أصل_القضية.

 

أولًا: لماذا تفشل العلاقة حين تُترك بلا إطار؟

حين لا توجد آلية مؤسسية واضحة،

يتحوّل مركز الفكر إلى ناقد خارجي،

ويتحوّل صانع القرار إلى متحفّظ دائم.

وتُقرأ أي محاولة تقارب

كاختراق أو وصاية.

في بيئة هشّة،

العلاقات غير المؤطرة تتحول إلى شبهات،

والشبهات تقتل أي تعاون حقيقي.

 

ثانيًا: الدولة لا تخاف من الفكر…

بل من الفكر الذي يدخل بلا قواعد

الدولة لا ترفض الأفكار،

بل ترفض الفوضى المقنّعة باسم المعرفة.

ولهذا لا بد من آليات واضحة:

 

الآلية الأولى: الارتباط الوظيفي لا التبعية الإدارية

■ الخطأ الشائع:

إلحاق مركز الفكر بوزارة أو جهاز.

■ الصواب:

● ارتباط وظيفي محدد المهام

● بعقود زمنية

● بمخرجات قابلة للتقييم

> مركز الفكر لا يُدار كإدارة حكومية، بل يُستدعى كمختبر حلول.

 

الآلية الثانية: ملفات لا عموميات

أي شراكة حقيقية يجب أن تكون:

● حول ملف محدد

● بزمن واضح

● بمؤشرات أداء

كلما اتسع الموضوع،

قلت فرص التنفيذ.

الآلية الثالثة: دوائر ثقة صغيرة

القرار لا يُصنع في القاعات العامة،

بل في دوائر ضيقة.

مراكز الفكر تحتاج:

● نقاط اتصال محددة داخل الدولة

● قنوات غير إعلامية

● لغة مشتركة غير إنشائية

> الثقة لا تُبنى بالبيانات…بل بالالتزام الصامت.

 

الآلية الرابعة: من الورقة إلى التجربة

لا سياسة تُربط بالدولة مباشرة دون اختبار.

الحل:

● مشاريع تجريبية

● نطاق جغرافي أو قطاعي محدود

● تقييم سريع للأثر

> الفشل الصغيرأفضل من الخطأ الكبير.

 

الآلية الخامسة: إدارة الخلاف لا إنكاره

مركز الفكر الجيد

لا يتفق دائمًا،

لكنه يعرف متى وكيف يعترض.

الاعتراض يكون:

● مكتوبًا

● موثّقًا

● مرتبطًا بالنتائج لا بالمواقف

هذا يحمي الاستقلال…

ولا يُفجّر الشراكة.

 

الآلية السادسة: المواطن كمختبر للرأي العام

> أي سياسة أو مشروع تجربة لا يكتمل أثره إلا بقياس تفاعل المواطن، فهو أساس أي دراسة مسحية ومرجع للرأي العام.

المواطن هنا ليس مصدر ضغط أو احتجاج،

بل أداة تحقق حيّة، وشريك فاعل يعكس جدوى السياسات قبل أن تتحول إلى قرارات عامة.وذلك عبر:

●رصد سلوكيات المجتمع

●قياس مستوى الرضا والالتزام

●تتبع استجابة الأفراد للتجارب المحدودة

> السياسة التي لا يُختبر أثرها لدى المواطن،قد تنجح على الورق،لكنها تفشل عند أول تماس مع الواقع.

وبهذا يصبح المواطن مؤشّرًا حيًا للنجاح أو الفشل، ويمنح مراكز الفكر ودوائر القرار رؤية واقعية، بعيدًا عن التصريحات النظرية.

 

ثالثا – ولأن الحديث عن الآليات دون اختبار يظل نظريًا،

يمكن تخيّل كيف تعمل هذه المنظومة

لو طُبقت على أحد أكثر الملفات حساسية:

تشجيع العودة إلى ولاية الخرطوم.

ليست أزمة العودة في الخرطوم أزمة رغبة،

بل أزمة ثقة في الحد الأدنى من قابلية العيش.

المواطن لا يسأل: هل انتهت الحرب؟

بل: هل يمكن أن أعيش دون مخاطرة يومية؟

في نموذج افتراضي للتعاون،

تعمل حكومة ولاية الخرطوم

مع مركز فكر وطني

بعلاقة وظيفية محددة،

ولمدة زمنية قصيرة،

وعلى نطاق تجريبي داخل عدد محدود من المحليات.

لا يكون دور مركز الفكر

تقديم خطاب عام عن الإعمار،

بل تشخيصًا معيشيًا سريعًا،

وتصميم “سلة عودة” خدمية حدّية،

واختبار سيناريوهات عودة متدرجة

تبدأ بالموظفين،

ثم الأسر محدودة الدخل،

ثم الأنشطة التجارية الصغيرة.

أما الدولة،

فتوفر البيانات،

وتفتح مسارات التنفيذ،

وتلتزم بنتائج التقييم

حتى إن كانت مزعجة.

النجاح هنا

لا يُقاس بعدد من عاد فقط،

بل بعدد من عاد… وبقي.

هكذا تنتقل الورقة

من رأي عام،

إلى أداة قرار.

 

#أصل_القضية ،،،

المسألة لم تعد نقصًا في الأفكار،

ولا عجزًا في التشخيص،

بل تأخرًا في تحويل المعرفة

إلى ممارسة منضبطة داخل الدولة.

حين تُدار السياسة دون اختبار،

يتحوّل القرار

من أداة تصحيح

إلى كلفةٍ مؤجَّلة.

> الدولة التي لا تفتح نوافذ مؤسسية للفكر المنهجي لا تحمي سيادتها،بل تقلّص قدرتها على التصحيح في الوقت المناسب.

الربط الذكي بين مراكز الفكر والقرار

ليس ترفًا مؤسسيًا،

بل الحد الأدنى

لتقليل كلفة الخطأ

قبل أن تتسع

إلى ما يتجاوز القدرة على الاحتمال.

السؤال لم يعد:

هل نحتاج هذا التغيير؟

بل:

كم سيكلفنا تأجيله مرة أخرى؟

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…