‫الرئيسية‬ مقالات الفاشر على حافة الإبادة عندما يصبح المنع واجبًا لا خيارًا
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

الفاشر على حافة الإبادة عندما يصبح المنع واجبًا لا خيارًا

د. عبدالناصر سلم حامد  كبير الباحثين ومدير برنامج السودان وشرق أفريقيا، فوكس السويد – باحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب

تقع مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، في قلب صراع دامٍ أثر على البنية الاجتماعية والإنسانية لسكانها منذ عقود. المدينة، التي تضم عشرات الآلاف من السكان من مختلف الجماعات القومية، شهدت تطورات مأساوية خلال السنوات الأخيرة، أبرزها حصار دام نحو ثمانية عشر شهرًا، أعقبه سقوطها في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025 بيد قوات الدعم السريع.

 

لم تعد قضية الفاشر مسألة عسكرية فحسب، بل باتت اختبارًا مباشرًا لمدى فعالية الحظر المطلق على الإبادة في القانون الدولي. فقد خلص التقرير الصادر في 19 فبراير/شباط 2026 عن البعثة الدولية المستقلة لتقصّي الحقائق في السودان، والمقدَّم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى أن النمط الموثَّق للأفعال يحمل سمات إبادة جماعية، وأن القصد الإبادي يمثل «الاستنتاج المعقول الوحيد» الذي يمكن استخلاصه من انتظام الوقائع. لا يشكّل هذا التوصيف حكمًا قضائيًا نهائيًا، لكنه ينقل المسألة من نطاق الإدانة الأخلاقية إلى حيّز المساءلة القانونية.

 

جريمة الإبادة الجماعية، وفق اتفاقية عام 1948، تقوم على قصد خاص يرمي إلى تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا. والعنصر الحاسم فيها ليس عدد الضحايا، بل اتجاه الإرادة التي تحكم الفعل. وقد أرست المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في قضية كريستيتش، مبدأً بالغ الأهمية مفاده أن القصد يمكن استنتاجه من نمط الأفعال وانتظامها عندما يصبح تفسيرها بالعشوائية غير معقول في ضوء السياق العام.

 

الحصار الطويل الذي سبق سيطرة القوات على المدينة لم يكن مجرد تكتيك عسكري، بل شكّل الحلقة الأولى في مسار تصاعدي تراكمية. القيود الممتدة على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية أنهكت البنية الاجتماعية وأضعفت قدرة السكان على النزوح أو الاحتماء. وفق تقرير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، أسفر الهجوم النهائي لقوات الدعم السريع على الفاشر عن أكثر من 6 آلاف قتيل خلال الأيام الثلاثة الأولى، منهم حوالي 4,400 داخل المدينة نفسها، و1,600 أثناء محاولتهم الفرار على طول نقاط الخروج والطرق المؤدية خارجها، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية المدنية ونزوح جماعي للمدنيين، في واحدة من أسوأ موجات العنف التي شهدتها دارفور منذ أبريل 2023.

 

وفي القانون الإنساني الدولي، قد يُوصَف تجويع المدنيين أو منع الإغاثة بأنه جريمة حرب؛ غير أن اتفاقية الإبادة تعتبر إخضاع جماعة لظروف معيشية يُقصد بها تدميرها أحد الأفعال المكوِّنة للجريمة، متى اقترن ذلك بالقصد الخاص.

 

الإضعاف المنهجي لا يثبت القصد بذاته، لكنه يهيئ بيئة تجعل الاستهداف اللاحق أكثر حسمًا. فعندما تُستنزف القدرة الجماعية على البقاء، يصبح أي فعل موجَّه ذا أثر وجودي، ويصبح العنف بنية متدرجة تتعزز مراحلها بعضها ببعض. وقد أشار التقرير أيضًا إلى استهداف متكرر لمجتمعات غير عربية، ولا سيما الزغاوة والفور، واستمر استخدام العنف الجنسي كأداة لتقويض البنية الاجتماعية ونشر الرعب ضمن سياق موجَّه ضد جماعة محددة، ما يعكس نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات.

 

استمرار الأفعال في ظل غياب مساءلة جدية يضعف تفسيرها باعتبارها تجاوزات فردية، ويبرز مبدأ مسؤولية القيادة، التي يمتد نطاقها إلى من علم أو كان ينبغي أن يعلم ولم يتخذ تدابير معقولة للمنع أو المحاسبة. في هذه المرحلة، لا يكون التقاعس خارج المسار، بل جزءًا منه.

 

المسألة لا تتعلق فقط بإثبات القصد، بل بالزمن الحاسم: متى يتحرك واجب المنع؟ فالمادة الأولى من اتفاقية الإبادة لا تقتصر على تجريم الفعل، بل تنشئ التزامًا إيجابيًا بالوقاية. وقد أكدت محكمة العدل الدولية، في حكمها في قضية البوسنة ضد صربيا عام 2007، أن التزام المنع ينشأ بمجرد وجود خطر جدي بوقوع الإبادة، وليس بعد تحققها فعليًا. وبذلك تتجاوز المسؤولية الفردية إلى مساءلة الدول إذا أخفقت في استخدام ما هو متاح لها من وسائل معقولة للمنع.

 

لم يعد السؤال: هل اكتملت الإبادة؟ بل: هل وصل المسار إلى درجة تفرض التدخل الآن؟ فالإبادة لا تقع دفعة واحدة؛ إنها تتشكل عبر تدرج يسمح بتكرار الفعل دون تكلفة رادعة. وإذا انتظر النظام الدولي اكتمال الصورة قبل التحرك، فإنه يحوّل الحظر المطلق من قاعدة وقائية إلى نص لاحق على الفاجعة. فقيمة الحظر لا تُختبر بعد وقوع الإبادة، بل في القدرة على تعطيل مسارها.

 

الفاشر اليوم ليست مجرد ساحة نزاع، بل لحظة اختبار لفعالية أحد أقوى المبادئ في القانون الدولي. فالحظر المطلق على الإبادة لا يُقاس بعدد الإدانات التي تصدر بعد وقوعها، بل بقدرته على تعطيل المسار قبل أن يكتمل.

 

وإذا كان هذا الحظر قاعدة آمرة لا يجوز المساس بها، فإن صدقيته تُقاس في لحظة الخطر، لا بعد انقضائها. عند الحافة تحديدًا يُختبر القانون، لا في زمن الفاجعة، حيث يصبح المنع واجبًا لا خيارًا، ويغدو التقاعس إخفاقًا لا حيادًا.

 

وفي هذا السياق، يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية مباشرة؛ إذ يجب فتح ممرات آمنة للإغاثة وتقديم الغذاء والدواء للمدنيين، وممارسة الضغط الدبلوماسي والقانوني على قوات الدعم السريع، ومحاسبة القادة والمقاتلين المسؤولين عن الانتهاكات. ويجب أن تُترجم هذه المسؤولية إلى تحرك ملموس لمنع اكتمال مسار الإبادة، بما يؤكد فعالية القانون الدولي في حماية المدنيين ويعيد فرض رادع على الأطراف المسلحة.

‫شاهد أيضًا‬

اقلام صحفية تقدمت صفوف معركة الكرامة..(2)..!!

لم يجف مداد مقال وهج الامس حول ذات الموضوع الا وازدحم هاتفي اتصالا ورسائل (واتسية ) صوبت ص…