‫الرئيسية‬ مقالات الطيب مصطفى سيرة قلمٍ صلب وموقفٍ واضح
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

الطيب مصطفى سيرة قلمٍ صلب وموقفٍ واضح

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

ليست الكتابة عن أصحاب المواقف ترفًا عاطفيًا ولا رثاءً عابرًا، بل هي توثيقٌ لمرحلة، وقراءةٌ في أثر الكلمة حين تُكتب عن قناعة وتُحمل بوصفها أمانة ومسؤولية. جاءتني هذه الخاطرة وأنا أستمع إلى لقاءٍ إعلامي مع الأستاذ الطيب مصطفى، رحمه الله، في مواجهة احد رموز التيارات العلمانية، حيث برز بقوة الحُجّة ووضوح الرؤية، مفنِّدًا ادعاءاتهم، ومقيمًا الردّ على أساسٍ فكريٍّ رصين. وهو اسمٌ أكنّ له تقديرًا خاصًا لما وجدته منه من تشجيع ودعم في بداياتي الصحفية، حتى كان يتنازل أحيانًا عن عموده لإتاحة المجال لنشر مقالاتي، في موقفٍ يعكس إيمانه بالكلمة وتقديره لأهلها فالأستاذ الطيب مصطفى لم يكن اسمًا عاديًا في المشهد الصحفي السوداني، بل كان صوتًا حاضرًا في ساحات الجدل الفكري، وصاحب مشروعٍ صحفي واضح المعالم، خاض به معارك الرأي دفاعًا عمّا يراه هويةً للأمة وثوابت للمجتمع. وفي زمنٍ كثرت فيه المساومات وتبدّلت فيه الاصطفافات، ظلّ قلمه معبّرًا عن موقفه بوضوح وثبات، دون مواربة، سواء اتُّفق معه أو اختُلِف.

 

كان الأستاذ الطيب مصطفى إعلاميًا مخضرمًا، وصحفيًا صاحب مدرسة، جمع بين الخبرة المهنية والطرح الفكري، وترك إرثًا صحفيًا وأدبياتٍ ستبقى شاهدة على مرحلة كاملة من تاريخ الصحافة السودانية. لم يتعامل مع الصحافة بوصفها مهنة محايدة بلا موقف، بل رسالة ومسؤولية، ولذلك جاءت كتاباته واضحة الاتجاه، صريحة العبارة، قائمة على الحُجّة والمواجهة الفكرية.

سخّر رحمه الله علمه وتجربته الطويلة في الدفاع عن ما يراه ثوابت المجتمع وحقوق المسلمين، وواجه بقلمه الخطاب العلماني حين رأى فيه مساسًا بالهوية والقيم، فكان حضوره في ساحة الرأي العام حضورًا فاعلًا ومؤثرًا. لم يكن صوته همسًا في الهامش، بل كان جزءًا من قلب النقاش، يطرح، ويجادل، ويختلف، ويصيب ويخطئ، كما هي طبيعة العمل الفكري العام

 

ومن الإنصاف القول إن الاختلاف مع الأستاذ الطيب مصطفى في بعض أطروحاته واجتهاداته كان قائمًا ومشروعًا، فالفضاء الفكري لا يخلو من التباين، ولا يُختزل في صوتٍ واحد. غير أن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يحجب حقيقةً أساسية الرجل كان غيورًا على دينه، صادق الانتماء لأمته، ثابتًا على موقفه، لا يتلوّن بحسب تبدّل المزاج العام، ولا يكتب بما يُرضي اللحظة على حساب القناعة.

وقد علّم – من حيث يدري أو لا يدري – أجيالًا من الصحفيين والكتّاب أن للكلمة ثمنًا، وأن الموقف الواضح قد يجرّ عليك الخصومة، لكنه في الوقت ذاته يصنع أثرًا، ويترك بصمة، ويمنح العمل الصحفي معناه الحقيقي.

 

إن ما خلّفه الأستاذ الطيب مصطفى من مقالات ومواقف ومدارس في العمل الصحفي سيظل حاضرًا في ذاكرة المشهد الإعلامي، ليس بوصفه تاريخًا جامدًا، بل مادةً للنقاش والتقويم والاختلاف. وهذا في حد ذاته علامة على الأثر؛ فالأصوات العابرة تُنسى سريعًا، أما الأصوات التي صنعت جدلها بوضوح، فإنها تبقى موضوعًا للحوار حتى بعد غياب أصحابها.

 

وفي الختام رحم الله الأستاذ الطيب مصطفى، فقد كان واحدًا من أولئك الذين آمنوا بأن الصحافة ليست نقل خبر فحسب، بل موقفٌ ومسؤولية، وأن الكلمة إذا خرجت من صاحب قناعة صادقة كان لها أثر يتجاوز زمنها. قد نختلف معه في بعض اجتهاداته، لكننا لا نختلف على حضوره، ولا على أثره، ولا على صدقه فيما آمن به ودافع عنه. نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّم وكتب في ميزان حسناته، وأن يُلهم من بعده أن يحملوا الكلمة بصدق، ويؤدّوا الأمانة بوعي وإنصاف

‫شاهد أيضًا‬

يقود جهود لتفكك ألغام شقيقه في السودان  طحنون.. هل ينجح في تحسين صورة الأمارات لدى الشعب السوداني؟

في تحول دراماتيكي يعكس عمق الأزمة، يقود الشيخ طحنون بن زايد حراكاً لتفكيك تركة محمد بن زاي…